عربي
لم يكن يورغن هابرماس رجل تفاوضٍ أمام الفِكرة، ولا أمام الموقف. كان عقلاً يعرف ماذا يريد، ويذهب إليه مباشرة، لهذا مرّ باحثون كثر في العلوم الإنسانية فوق جسره، ولو لنقضِه ومُحاججته. فكيف يُدرَس السلوك الإنساني، من دون العودة إلى ما قدّمه هابرماس؟ ولو من الجانب الآخر، كما فعل المفكر المغربي طه عبد الرحمن الذي حاجج هابرماس باستماتة، لكنه مع ذلك لم يختلف معه إلا في النتيجة، وهي تؤدّي في نظره إلى تديين الأخلاق. بينما سعت أخلاقية هابرماس الليبرالية إلى حماية الفرد وأخلاقيات الجماعة معاً، ونظَّر لِفضاءٍ تواصلي كوني متحرّر من الأيديولوجيا، لذا لم يبلغ عبد الرحمن هذا القدر من التأثير، بسبب تقديمه نتيجة واحدة، للفعل التواصلي. فوجهة نظر هابرماس، حسب جون راولز، بمثابة مذهب شمولي يتعلق بموضوعات كثيرة تتجاوز مجال اهتمام الفلسفة السياسية. وسعت نظريته في الفعل التواصلي إلى تحليل عام للمعنى، والمرجع، والأساليب، للعقل النظري ولأشكال متعدّدة من العقل العملي.
المكان الذي حاول هابرماس التأسيس له، في مفهومه للفضاء العام، ليس منطقة جغرافية، بل هو حيّز يعيش فيه الإنسان حياته كلها، برفقة الآخرين، ولا يوجد هذا المكان في غيابهم. هو مكان مشترك، له قوانينه التي يأتي بعضُها معه ولا ينفصل عنها، ولكن البعض الآخر يحتاج إلى مكان جغرافي تنطبق فيه هذه القوانين.
وكان رفيق هابرماس في مدرسة فرانكفورت، كارل أتو آبل، بليغاً في مواجهة هابرماس بما يقوله في كتابه "التفكير مع هابرماس ضد هابرماس" (ترجمة عمر مهيبل، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2005). نعم، يمكن أن تكون مع هابرماس باستخدام أدواته نفسها ضده. فمقابل عقلانية المفكر الألماني في التنظير وتأسيسه مفهوم الفعل التواصلي، في فضاء عام مشترك، على مستويات متعدّدة، وهو فعل متشعب وشاقّ أحياناً. مقابل ذلك كله، وبعد تخطّي الجزء النظري للمسألة، وفي العلاقة مع الآخر في هذا الفضاء، كيف يتصرّف الإنسان إذا كان موجوداً في مكان جغرافي مسروق؟ هل هو عامٌّ بالمعنى الذي يسع الجميع؟ أو أنه انتقائي لا يسري فيه الفعل التواصلي كما يجب؟ فالفضاء العام في إسرائيل يرفض ما ليس يهودياً أولاً، وما ليس يهودياً أبيضَ ثانياً. إذاً فغير صحيح، كلياً على الأقل، أن موقف هابرماس من إسرائيل يتماشى مع منظومته الفلسفية.
كل عمل هابرماس يقوم على أخلاقيات التواصل وعقلانيته ووجود فضاء عام يتسع للجميع، لكن بقدر حرصه، على الموضوعية والعقلانية، وجد أن تقديرات الخسائر في الإبادة في غزّة مبالغ فيها. هو الذي أكد في البيان الذي أصدره عام 2023، بعد بداية الإبادة، ضرورة التضامن مع إسرائيل واليهود في ألمانيا، رغم أنه أضاف، برفقة الموقّعيْن الآخريْن، أن ذلك لا يلغي التضامن مع المدنيين الفلسطينيين، وأكد ضرورة احترام مبادئ القانون الدولي، مثل التناسب، وتجنب سقوط ضحايا مدنيين، لكن هل كان عدد الشهداء الفلسطينيين متناسباً مع ضحايا هجوم "7 أكتوبر" يا يورغن؟
تجاوز البيان العقل التواصلي، إلى نظرة أضيق من خرم إبرة، وهي أن أمن إسرائيل وحماية الحياة اليهودية جزء أساسي من الثقافة الألمانية، وذلك ما يعني ضمناً أن غير ذلك من أمور، أقل أهمية لفيلسوف التواصل. لعل في عنوان كتابه الأخير الصادر عام 2024 "كان يجب أن يصبح شيء ما أفضل..."، إعلان خيبة، ونوعاً من الاستسلام لفكرة أن الفلسفة لا تُصلح ما أعطبه الإنسان، بل ولا حتى تقدّم له ما يكفي لإقناعه بالعقلانية.
لكنه لم يُنصف أحداً، ولم يغيّر رأيه، والإبادة تتوحش أكثر، وهو يخلص إلى مواقف تعبر عن مرارته من أداء الديمقراطية بوصفها نظاماً سياسياً على مستوى علاقاته الخارجية. فالديمقراطيات الغربية تحترم الإنسان داخل حدودها، أما من هو خارجها، فهو حليف نتآمر معه، أو عدو ندوس عليه أو نقتحم بلاده.
وقد انتقد هابرماس هذا كله، بلغة أخرى بالطبع، وهذا جيد، لكنه لم يُعد الاعتبار لضحايا الحروب الاستعمارية، ولم يُدِنها بما يكفي ليُحدث صدى يليق بآخر أيامه. حتى لا يغادر وهو يقف ضد نفسه.
