يطوي رمضان بساطه الروحاني لتشرق شمس عيد الفطر وكأنها بعثٌ جديدٌ للأمل، واسترداد لبهجة الروح التي صقلها الصيام وهذّبها القيام، ويعم الفرح بنيل الجائزة وحيازة المنزلة، ومع تكبيرات العيد التي تعم الأرجاء تبدأ صناعة الفرحة لتنساب في حواري المدن وربوع القرى وكأنها جدولٌ من نورٍ ينهل منه الذين أتمّوا العدة وحصدوا الجائزة عن نصرٍ أحرزوه في جهادهم مع ذواتهم، فيكبّروا الله على ما هداهم لتسعد القلوب قبل الوجوه، وتعم الفرحة، وتغمر النفوس السعادة بالتمام والنوال.
العيد في جوهره ثورةٌ على العزلة واجتثاثٌ لجذورِ القطيعة ، وتبدأ ملامح هذه الصناعة بابتسامة تُبذلُ في وجوه الأقارب والأباعد، وبأكفٍ تمتدُّ للمصافحةِ فتجلو ما رانَ على القلوب من كدر، وتعم صلة الأرحام فيستحضر الجميع معنى الانتماء، وكل زيارة أو مصافحة تمثل لبنة جديدة تُوضع في جدار السعادة للمجتمع ككل، كما يمتدّ بساط البهجة ليشمل أولئك الذين انكسرت خواطرهم تحت وطأة الحاجة، فتنالهم زكاة الفطر التي تسبق الصلاة، فتمتد مظلة الفرح وتشمل الجميع في آنٍ واحد.
في العيد يرتدي الناس أبهى ما عندهم، ليس تفاخراً بل احتفاءً بالجمال الذي يحبه الله، والتجمّل باللباس الجديد هو تعبيرٌ رمزيٌّ عن خلع أثواب الحزن واليأس وارتداء حلّة الأمل، وكما تتزين البيوت بالبخور وتكتسي الموائد بأصناف الطعام التي تحاكي طعم الانتصار على مشقة الصيام، فإنّ النفس البشرية أيضاً تتزين بالرضا والسكينة، والعيد لها موسماً لتستعيد طاقتها الإيجابية والتي بها تتزود لبقية العام.
إنّ صناعة الفرح في عيد الفطر هي دعوةٌ مفتوحةٌ لاستعادة الطفل القابع في أعماقنا، ذلك الذي يدهشه ملمس الثوب الجديد، ويُطربه صوت الزينة، ويسعده لقمةٌ طيبةٌ، وفرحة العيد وبهجته تذكيرٌ بأننا برغم عواصف الحياة وكدَر الأيام ما زلنا نمتلكُ مساحةً للبهجة، وأنّ الفرح ليس ترفاً بل هو عبادةٌ نتقرب بها إلى خالقنا الذي جعل لنا بعد مشقة الصيامٍ عيداً.
عيدكم مبارك، وكل عام وأنتم بألف خير، صحة وسلامة وفرح وحرية...