افتتاحية 26سبتمبر
الفجيعة التي هزت وجدان اليمنيين في تلك الليلة القدرية المباركة حين تجرأت مليشيا الإرهاب الحوثي على سفك دماء أبناء (محرق حجة) وهم في حضرة الخالق ليست مجرد جريمة عابرة في سجل أسود، بل هي إعلان صارخ عن انسلاخ هذه الشرذمة من كل قيم السماء وأعراف الأرض.
إن استهداف المصلين الصائمين القانتين وهم يمدون أكف الضراعة إلى الله راجين رحمته ومغفرته في أقدس الليالي يكشف للعالم أجمع أننا نواجه عصابة إجرامية لا تقتات إلا على الدم ولا تعيش إلا في كنف الرعب، ضاربة عرض الحائط بكل حرمة للدم الإنساني أو قدسية للزمان والمكان.
إن هذا الإجرام الممنهج الذي تمارسه المليشيا الحوثية يضع المجتمع الدولي واليمنيين كافة أمام استحقاق تاريخي لا يقبل التأجيل أو المداهنة، فالسكوت عن هذه الجرائم ليس إلا تواطؤا يمنح القاتل وقتا إضافيا لحصد المزيد من الأرواح البريئة، فلغة التنديد والشجب قد تآكلت ولم تعد تجدي نفعا مع فئة أدمنت التنكيل باليمنيين، ولم يعد هناك من سبيل لردع هذا الطغيان إلا بمعركة حاسمة تقتلع جذور الفتنة وتغسل عن تراب اليمن دنس هذه المليشيا الإرهابية التي حولت حياة الشعب إلى مأتم مفتوح.
كما أن التراخي في حسم هذه المعركة يعني ببساطة مضاعفة كلفة الدم، وتعميق جراح الوطن التي لن تندمل ما دام هذا السرطان يتمدد في جسد الدولة.
والأدهى من ذلك أن بقاء هذه الجماعة وتمكينها من رقاب الناس يمثل زراعة لألغام بشرية في عقول الشباب والنشء، حيث تعمل المليشيا على تأصيل منهجها الدموي وتحويل الجيل القادم إلى قنابل موقوتة تهدد مستقبل اليمن والمنطقة بأسرها.
إننا أمام خطر وجودي يهدد بهدم الهوية الوطنية واستبدالها بثقافة الموت والكراهية، الأمر الذي سيجر البلاد إلى دوامة من الصراعات الأبدية التي ستأكل الأخضر واليابس.
إن الواجب الوطني والديني يملأ الصدور اليوم بوجوب التحرك العاجل والجاد لإنهاء هذه الغمة وانتزاع حق الضحايا من بين أنياب القتلة وبناء يمن آمن ومستقر لا مكان فيه لمن لا يؤمن إلا بلغة الرصاص والغدر.
إن هذه الدماء الطاهرة التي سفكت على سجادة الصلاة ليست مجرد أرقام تضاف إلى سجلات الضحايا، بل هي صرخة مدوية تزلزل عروش الصامتين وتكشف عورة التخاذل الذي يغلف المواقف الدولية الباردة، فاستباحة الأرواح في لحظات التجلي الروحي هو ذروة الطغيان وبرهان قاطع على أن هذه المليشيا قد أعلنت الحرب على الله قبل خلقه، متجاوزة كل الأعراف والقيم التي تعارفت عليها البشرية عبر العصور.
فالسكوت اليوم عن محرقة (محرق حجة) هو بمثابة رخصة مفتوحة للقاتل لمواصلة جرائمه هذه في كل قرية ومدينة، وهو استهتار بكل قطرة دم يمنية أريقت في سبيل الكرامة والجمهورية.
إن المعركة مع هذا الفكر الظلامي لم تعد خيارا سياسيا يمكن التفاوض عليه، بل هي ضرورة وجودية للدفاع عن حق اليمنيين في الحياة، فمراهنة المليشيا على عامل الزمن لتغيير هوية الأجيال وتفخيخ عقول الشباب بسموم الولاية والتبعية هي الحرب الأخطر التي تشن على مستقبلنا، إذ يراد لليمن أن يتحول من منارة للحضارة إلى منصة لتصدير الإرهاب والموت والخراب.
لذا فإن استنهاض الهمم اليوم هو السبيل الوحيد لكسر هذا القيد وتطهير الأرض من دنس الإمامة الجديدة التي لا تجيد سوى لغة الغدر، ليعود اليمن سعيدا، حرا، وعزيزا، بعيدا عن كابوس القمع الذي لا يرتوي إلا بدموع الثكالى ودماء الساجدين.