عربي
استهلّ وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو لقاءاته الرسمية في بيروت، بعد ظهر اليوم الخميس، باجتماع مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، حيث جرى التطرق لأبرز التطورات في لبنان والمنطقة، وسُبل خفض التصعيد، خاصة في ظلّ مخاوف من انزلاق الوضع مع توسّع الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، وارتفاع الحديث الإسرائيلي عن اجتياح برّي واسع.
وقالت مصادر دبلوماسية فرنسية لـ"العربي الجديد"، إنّ "باريس تنظر بإيجابية إلى الإجراءات التي يقوم بها لبنان، والقرارات التي اتخذها مجلس الوزراء، خاصة في جلسة 2 مارس/آذار الجاري، مع حظر أنشطة حزب الله الأمنية والعسكرية، إلى جانب قرار حصرية السلاح، كما تدعم مبادرة الرئيس جوزاف عون، والتفاوض المباشر الذي سيكون تاريخياً مع إسرائيل، وأبدت استعدادها استضافة هذه المفاوضات، إلى جانب تشديدها على أهمية دعم الجيش اللبناني للقيام بمهامه، وهي ستواصل تقديم الدعم له".
وأشارت المصادر إلى أن "زيارة بارو تندرج في إطارين سياسي دبلوماسي وإنساني، فهي أولاً جسّ نبض واستطلاع الآراء، مع دعم القرارات الرسمية اللبنانية المتخذة، كما سيتم الإعلان عن سلة مساعدات إنسانية جديدة، في وقتٍ تخطى عدد النازحين المليون"، لافتة إلى أنه "لا يمكن الحديث الآن عن وساطة أو مبادرة، بل تحضير الأرضية الدبلوماسية السياسية حتى تنضج الظروف التي من شأنها أن تأخذنا إلى وقف إطلاق نار وانتقال للعملية الدبلوماسية".
وحول موقف فرنسا من حصول مفاوضات تحت النار أو أولوية وقف إطلاق النار وعقد هدنة، ومن ثم الذهاب إلى طاولة المفاوضات، تشدد المصادر على أن توجّه فرنسا هو المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار من الجانبين، ودعوة إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية، وعدم حصول توغل بري دائم، مشيرة إلى أن "حزب الله ارتكب خطأ كبيراً بحق لبنان والشعب اللبناني، وجرّ البلاد إلى حرب لم تخترها، فيما نحن ندين بالمقابل الاعتداءات الإسرائيلية غير المتناسبة، إلى جانب الاستهدافات التي تطاول قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) والمدنيين والجيش اللبناني".
وتلفت المصادر إلى أن "الاتصالات الدولية والأميركية هي مركّزة أكثر على الملف الإقليمي، وما يحصل في إيران والدول العربية، من هنا فرنسا تسعى إلى إبقاء ديناميكية في الملف اللبناني، وفصل مسار التفاوض والحل اللبناني عن المسار الإقليمي، وتبعاً لذلك، تطالب بوقف إطلاق النار اليوم قبل الغد، وضرورة فصل الجبهة اللبنانية عن الحرب القائمة في الشرق الأوسط، وتعمل على أخذ لبنان ملفاً منفرداً، وإبقائه قائماً".
كما شددت المصادر على أهمية التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بوقتٍ سريعٍ، لأن تداعيات التأخير ستكون كارثية، فرقعة الدمار والتهجير والدماء ستتسع، عدا عن تداعيات حصول أي توغل بري إسرائيلي واسع، مؤكدة أن المطلوب حل دبلوماسي لا عسكري، والجلوس إلى طاولة التفاوض، للتوصل إلى حلّ دائم يؤمن استقراراً ثابتاً طويل الأمد، لافتة إلى أن "التواصل الفرنسي قائم مع الجانبين الأميركي والإسرائيلي، اللذين يعتبران أن التفاوض ضروري، لكن هناك خطوات يجب القيام بها، فالحكومة اللبنانية لم تقم برأيهما بخطوات جدية لنزع السلاح لأكثر من سنة، وما يحصل اليوم من عمليات عسكرية يقوم بها حزب الله دليل على ذلك".
كذلك، أشارت المصادر إلى أن "التواصل سيبقى مستمرّاً بين لبنان وفرنسا، والمحادثات تشمل أيضاً الجانب السوري، فالمنطقة كلّها تمرّ بظرف دقيق، ومن الضروري أن يبقى التنسيق قائماً لأهمية ضبط الحدود اللبنانية السورية، خصوصاً في هذه الفترة".
عون يشيد بالتحركات الفرنسية
من جانبها، قالت الرئاسة اللبنانية في بيان، إن "بارو نقل إلى عون تحيات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وخلاصة التحرك الذي يقوم به لوقف التصعيد العسكري في لبنان في ضوء استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والقتال على أراضيه". وأعرب بارو عن استعداد فرنسا للعمل من أجل وضع حد للتصعيد العسكري، من خلال اقتراحات يتم التداول بها مع الأطراف المعنية، انطلاقاً من المبادرة التفاوضية التي أعلنها عون، مشيراً إلى أن المبادرة شجاعة، وتلقى دعم المجتمع الدولي، لأنها عبّرت عن إرادة ثابتة بقيام دولة قوية ترفض الانجرار إلى حرب لم تبدأها.
وركز بارو على دور الجيش في أي حلّ للوضع القائم حالياً، وكذلك في المرحلة التي تلي انتهاء ولاية قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) وانسحابها منه. كما تناول العلاقات اللبنانية – السورية في ضوء الاتصال الثلاثي الذي جرى بين الرئيس عون والرئيس ماكرون والرئيس السوري أحمد الشرع، وما يمكن أن تقوم به فرنسا لضمان استمرار التنسيق بين البلدين الجارين.
من جهته، ثمّن عون الدور المميّز الذي يقوم به الرئيس الفرنسي في مساعدة لبنان على مختلف الأصعدة، ولا سيما من خلال التواصل الدائم مع الجانبين اللبناني والسوري، والتواصل أيضاً مع الجانب الإسرائيلي. وجدّد تأكيد ضرورة وقف إطلاق النار، وتوفير الضمانات اللازمة لنجاحه من الأطراف المعنية، معتبراً أن المبادرة التفاوضية التي أعلنها لا تزال قائمة لكن استمرار التصعيد العسكري يعيق انطلاقتها، الأمر الذي يفرض وقفاً للأعمال العدائية لإيجاد المناخات المناسبة للتفاوض، وهو أمر غير متوفر حالياً نتيجة اتساع العمليات الحربية وتدمير القرى والبلدات في الجنوب ووقوع مئات الضحايا والجرحى وأكثر من مليون نازح.
وأشار إلى أنه متى توقف إطلاق النار، يصبح في الإمكان تفعيل آلية التفاوض في أي مكان يتم الاتفاق عليه لأن المهم هو وقف التصعيد. وجدد عون تأكيد رغبة لبنان في بقاء القوات الدولية في الجنوب للسهر على تطبيق أي اتفاق قد يتم التوصل إليه أو بقاء وحدات من الدول الأوروبية التي أبدت رغبتها في استمرار مهامها لحفظ السلام في الجنوب بصرف النظر عمّا سيكون عليه الإطار القانوني لهذا الوجود.
وفي مجال آخر، أكد عون أن الحكومة ماضية في تنفيذ القرارات المتعلقة بحصرية السلاح وإن كان التصعيد العسكري يحول دون تنفيذ الخطة التي وضعتها قيادة الجيش بالكامل، لافتاً إلى أن المرافق الرسمية ومطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ بيروت والمعابر الحدودية، تخضع كلها لإشراف الأجهزة العسكرية والأمنية اللبنانية، فيما يسيّر الجيش دوريات وحواجز في مختلف المناطق اللبنانية لمنع المظاهر المسلحة وتوقيف المخالفين. وشدد على أن الحكومة متمسكة بموقفها لجهة كون قرار الحرب والسلم من اختصاص الدولة حصرياً.
وعرض رئيس البرلمان نبيه بري مع بارو تطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة والمستجدات السياسية الميدانية، على ضوء مواصلة إسرائيل عدوانها على لبنان. وكرر بري الشكر لفرنسا ورئيسها ماكرون على مساعيهما وجهودهما التي تبذل لوقف العدوان على لبنان ودعمهما لسيادته ووحدته على كامل أراضيه، مؤكداً أن تطبيق الاتفاق الذي أُنجز في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بوساطة أميركية وفرنسية والتزام إسرائيل به ينهي العدوان ويعيد النازحين والأساس في ذلك تفعيل آلية عمل الميكانيزم كإطار للمراقبة والتطبيق والتفاوض.
تباين أميركي فرنسي
وتُطرح علامات استفهام عدة حول مدى إمكان فرنسا إحداث خرق في المشهد، خاصة أن الدور الأكثر تأثيراً عند الإسرائيليين تلعبه واشنطن اليوم، وهي تعطي الضوء الأخضر حتى الساعة لإسرائيل لنزع سلاح حزب الله بالقوة، علماً أن باريس كانت من رعاة اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وهي في لجنة الميكانيزم، المعنية بمراقبة وقف العمليات العدائية، التي تترأسها أميركا.
ويُسجَّل تباين فرنسي أميركي حول كيفية حلّ الصراع، وما إذا كان التفاوض يجب أن يحصل تحت النار أم خلال فترة هدنة، وهو ما تحدّث عنه المبعوث الفرنسي الخاص إلى لبنان جان إيف لودريان، أمس الأربعاء، بقوله إنه "من غير المعقول توقع نزع الحكومة اللبنانية سلاح حزب الله، في الوقت الذي تتعرض فيه البلاد للقصف من إسرائيل"، مشدداً على أن المفاوضات هي السبيل الوحيد لحلّ الأزمة.
وأضاف: "احتلت إسرائيل لبنان لفترة طويلة جداً، ولم تتمكن من القضاء على القدرات العسكرية لحزب الله. لذلك، لا يمكنها الآن أن تطلب من الحكومة اللبنانية القيام بهذه المهمة في غضون ثلاثة أيام تحت القصف". وخلال جولة بارو، واصلت إسرائيل اعتداءاتها على الجنوب اللبناني والبقاع، شرقي البلاد، وسط هدوء حذر تشهده الضاحية الجنوبية لبيروت منذ ساعات، فيما نفذ حزب الله عدداً من العمليات العسكرية باتجاه تجمّعات جيش الاحتلال وقواعد عسكرية إسرائيلية.
