الشرق الأوسط... الاستنزاف المركّب والتفكيك الممنهج
عربي
منذ ساعة
مشاركة
منذ أن دخلت المنطقة طور التحوّل الكبير مع غزو العراق عام 2003، بدا وكأن الشرق الأوسط انتقل من نظام توازنات تقليدية إلى حالة سيولة دائمة مفتوحة، حيث لم يعد إسقاط نظام -أي نظام- يعني فقط تغيير قيادة، بل إعادة تشكيل البنية العميقة للدولة والمجتمع والجيش والاقتصاد. "سقوط بغداد" لم يكن مجرد حرب، بل لحظة تأسيس لمرحلة جديدة تقوم على تفكيك المراكز الصلبة وإعادة توزيع القوة عبر خلق بيئات تنافسية مفتوحة، فظن كثيرون أن ما جرى استثناء تاريخي، لكن السنوات اللاحقة أظهرت أن الاستثناء تحوّل إلى نمط مركّب لسياسة الاستنزاف والتفكيك الممنهج! تكرّس هذا النمط مع الحرب في سورية، حيث لم يكن الهدف إسقاط النظام سريعًا بقدر ما كان استنزافًا طويلًا، أضعف الدولة وأعاد رسم خرائط النفوذ. وفي لبنان، تراكمت الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية على حزب الله، إلى أن تبدلت موازين كانت تبدو راسخة في المخيال الشعبي. هنا ظهر ما يمكن تسميته "وهم الصلابة"، أي الاعتقاد بأن امتلاك ترسانة كبيرة أو خطاب تعبوي كافٍ لمنع التآكل البطيء الذي يحدث تحت السطح! مع تصاعد المواجهة مع إيران، دخلت المنطقة مرحلةً أكثر حساسية. بدأت المواجهة فعليًا منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، على هيئة سلسلة عمليات مركّبة: عقوبات ممتدة، استهداف شبكات نفوذ خارجية، وضغط اقتصادي تراكم أثره عامًا بعد عام، وحصار دبلوماسي وسياسي وتقاسم أدوار بين طهران ودول الجوار، العراق والخليج. وعلى مدى نصف قرن تقريبًا، لم يكن المشهد الإيراني حربًا شاملة بالضرورة، لأن الفكرة ليست إسقاط الدولة فورًا، بل تقليص قدرتها على التأثير الإقليمي وإبقاؤها في حالة انشغال دائم. كما جرى مع العراق بين عامَي (1991 مرحلة الإنهاك) و(2003 مرحلة الإنهاء)! اليوم دخلت إيران المشهد الأخير في استراتيجية الاستنزاف المركّب (الغربي)، بحرب شرسة بدأت بهدف معلن فضفاض هو "إسقاط النظام"، وبعد أسبوعين تقلصت الأهداف (الأميركية) بإعلان النصر والقضاء على قدرات إيران العسكرية (الصواريخ الباليستية ومشروع تخصيب اليورانيوم). هذا النمط من التفكير الغربي يتقاطع مع استراتيجية إسرائيلية، غير رسمية، تمثّلت بوثيقة "خطة ينون 1982"، التي تحدثت عن تفكيك البيئات المعادية أو منع تماسكها، وإن كانت تلك الوثيقة طرحًا فكريًا في سياق تاريخي معيّن، إلا أنها وجدت طريقها للتنفيذ منذ عقدين. حيث تبدو إسرائيل اليوم وكأنها تتحرك وفق منطق ثابت يقوم على منع تشكّل قوة إقليمية مهيمنة، مستندة إلى دعم استراتيجي من الولايات المتحدة، غير أن السؤال لم يعد يدور حول إسقاط دولة بعينها، بل حول إعادة هندسة بيئة إقليمية كاملة بحيث تبقى القوى الكبرى مشغولة بأزماتها الخاصة. هنا تبرز فرضية انتقال "الاستنزاف المركّب والتفكيك الممنهج" من ساحات تقليدية إلى قوى إقليمية كبرى مثل (باكستان ومصر وتركيا)، لا عبر مواجهة مباشرة، بل عبر توسيع هوامش التوتر المحيطة بها. وبعد إيران، يبرز سؤال: مَن التالي على القائمة؟ في الحالة الباكستانية، تكمن الحساسية في العلاقة المتوترة مع الهند، وهي علاقة قابلة للاشتعال في أي لحظة، غير أن الطبيعة النووية لباكستان تجعل أي انزلاق أو مواجهة واسعة بمثابة مخاطرة دولية كبرى، ما يعني أن الاستنزاف -إن حدث- سيبقى محكومًا بسقف منخفض يحافظ على الردع. أما مصر، فإن ملف سد النهضة المرتبط بنهر النيل يشكل نقطة ضغط استراتيجية طويلة الأمد، إلى جانب التحديات الاقتصادية، لكن زعزعة مصر جذريًا تعني المساس بأمن قناة السويس وشرق المتوسط، وهي مصالح لا تتحمل مغامرات غير محسوبة. تركيا، من جهتها، تتحرك بين هوية إقليمية مستقلة وعضوية في حلف شمال الأطلسي، ما يجعل أي محاولة لدفعها إلى فوضى واسعة تصطدم بتعقيدات بنيوية داخل الحلف نفسه، فتركيا لاعب إقليمي مستقل نسبيًا، وتقود ملفات شرق المتوسط وقبرص وسورية، ما يتيح لها مساحات احتكاك واسعة. هنا يتداخل مفهوم "وهم الصلابة" مع فرضية "وهم الحتمية" أو "الدومينو": الأول يفترض أن الدول الكبرى محصّنة بقوة جيوشها وتحالفاتها الخارجية، والثاني يفترض أن سقوط حلقة يجرّ بالضرورة سقوط التي تليها. في الميدان الجيوسياسي، أثبتت التجربة منذ 2003 أنّ الحقيقة أكثر تعقيدًا من تلك الافتراضات والأفكار، فبعض الدول انهارت بسرعة غير متوقعة (العراق)، وأخرى صمدت رغم توقعات انهيارها (سورية)؛ العامل الفاصل لم يكن حجم السلاح وحده، بل تماسك الداخل وتذبذب الخارج ومرونة النظام السياسي وقدرته على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى تفكّك بنيوي. إذا استمر نمط الاستنزاف المركّب، فستكون ساحاته المرجّحة هي الهوامش الرخوة لا المراكز الصلبة، واستهداف قوى كبرى مثل باكستان أو مصر أو تركيا -إن حدث- سيأتي على الأرجح عبر توسيع أزماتها المحيطة لا عبر صدام مباشر. والسؤال الأهم اليوم: هل تستطيع أي قوة، مهما بلغ دعمها وحجمها، إعادة هندسة منطقة شديدة التعقيد دون أن ترتد تداعيات التفكيك عليها؟ التاريخ القريب (في ظل الحرب على إيران وتداعياتها العالمية الشديدة، بخاصة الجيوسياسية والملاحة والطاقة) يبيّن أن إدارة الفوضى أصعب من إشعالها، وأن الاستنزاف سلاح ذو حدين. الشرق الأوسط يقف بين مشروع تفكيك طويل النفس وحدود نظام دولي لم يعد يسمح بحسم أحادي سهل، وبين هذين الحدّين تتحدد ملامح المرحلة القادمة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية