عربي
في زمنِ انكسارِ الموازينِ وانزلاقِ التاريخ، تغرقُ الدارُ اليوم في خلافاتِ الضِرار؛ فلا حقًاً نصرنا، ولا عدواناً كسرنا، وضاعت بين الصمتِ والشتاتِ ملامحُ السيادة. إننا نعيش اللحظة القاسية التي يرتطم فيها الوعي بجدار العجز، حيث تُمسي الكلماتُ ركاماً من الوعود الجوفاء، وتغدو الأفعالُ مجرد حركاتٍ تائهة في فراغٍ لا يملؤه سوى صدى الخذلان والضياع.
لم يعد الزمان يسير في ركابنا كما كان، بل صار التاريخ ينزلق من بين أصابعنا كما ينزلق الرمل، تاركاً وراءه أثراً من الغبار الكثيف الذي يغشي الأبصار عن رؤية الحقيقة المُرّة، ويحول بيننا وبين استبصار المصير الذي يتشكل خلف ضباب الوهن. وفي هذا الأتون المشتعل بالهواجس والمخاوف، تحولت "الدار" من حضنٍ جامعٍ وسياجٍ منيعٍ يحمي أهله إلى ساحةٍ مفتوحةٍ لتصفية الحسابات الضيقة ونبش الجراح القديمة التي ظننا يوماً أنها التأمت. لقد باتت تُبنى جدرانُ "الضِرار" بين الإخوة بدمٍ بارد، لا لشيءٍ إلا لمجرد الكيد المتبادل وإثبات الحضور الزائف على حساب الوجود الحقيقي، فيُهدم السقفُ على رؤوس الجميع ظنًاً من كل طرفٍ واهمٍ أنه سينجو بمفرده في قاعِ الحطام، أو أنه سيبني لنفسه مجدًا فوق رفات شركائه في التاريخ والمصير. إنها النرجسية القاتلة التي تجعل من سقوط الشقيق نرًاً وهميًاً، بينما الحقيقة هي أننا جميعاً نسقط في ثقبٍ أسودَ من النسيان الدولي والتهميش الحضاري.
إن مأساة هذا الزمان لا تكمن في قوة الخصم الخارجي ولا في عتاد العدو المتربص بقدر ما تكمن في وهنِ الداخل وتآكل الروح الجماعية التي كانت يوماً عصبَ الحياة. فنحن الذين انشغلنا بترميم الأحقاد وتشييد صروح الوهم على أنقاض الحقيقة، نسينا في زحمة النزاع أن السيادة ليست مجرد علمٍ ملوّنٍ يرفرف فوق السواري أو نشيدٍ حماسيٍّ يُعزف في المحافل الرسمية، بل هي فعلُ إرادةٍ صلبة وقدرةٌ عليا على الحسم والربط واتخاذ القرار المستقل بعدًاً عن إملاءات الآخرين. لكننا، وبينما كانت العواصف تقتلع الجذور من أعماقها، آثرنا الغرق في تفاصيل الخصومة العمياء والجدل البيزنطي العقيم حول مسمّياتٍ تافهةٍ ومكاسبَ آنية، فما استطعنا في لحظة الحقيقة أن نرفع راية حقٍّ تلمُّ الشتات وتوحّد الصف، ولا ملكنا البأس الذي نكسر به غطرسة العدوان ونردّ به كيد المتربصين. وهكذا، وجدنا أنفسنا عالقين في منطقةٍ رماديةٍ موحشة، بين صمتٍ مريبٍ يشبه القبور، وشتاتٍ مزّق القلوب والضمائر قبل أن يمزّق الجغرافيا والحدود.
لقد غامت الملامح التي كانت تميّز وجهنا السيادي، وذابت الهيبة في بحار التنازلات المتبادلة بين أبناء البيت الواحد، حتى صار الغريب هو الحَكَمَ الناهي في شؤوننا، والخصمُ هو الملاذ الذي نلوذ به من جور الأقربين، في مفارقةٍ تاريخيةٍ تُدمي القلب. إن استعادة السيادة لا تمرّ أبدًا عبر بوابات الخطابة الرنانة أو المقالات المنمّقة، بل تبدأ بوقف هذا الانزلاق التاريخي المروع، وبالكفّ فوراً عن إشعال حرائق الضِّرار التي لا تُبقي ولا تذر. فمتى ندرك أن الدار إذا تداعت أركانها من الداخل بفعل الأحقاد المسمومة، لم يعد لأيّ سيادةٍ معنًى، ولم يبقَ للتاريخ من ذكرى سوى العبرة الأليمة والأسى الطويل الذي سيتوارثه الأبناء إرثاً من الرماد والخيبة، في زمنٍ لا يرحم الضعفاء ولا يعترف إلا بمن كانت وحدته حصنَه المنيع.