عن سوريٍّ تُفتح له الأبواب
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
بعد سقوط نظام بشّار الأسد، ووصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة إثر مسار طويل من الثورة والحرب امتد نحو 14 عاماً، كان سوريون كثيرون يأملون أن تدخل البلاد مرحلة مختلفة تماماً عمّا عرفته في العقود السابقة. فالثورة التي رفعت شعارات الحرية والكرامة، وقدمت تضحيات هائلة، كان يُفترض أن تقود في النهاية إلى دولة مؤسّسات، لا إلى إعادة إنتاج أنماط الحكم القائمة على العلاقات الشخصية والنفوذ غير الرسمي. لكن بعض الظواهر التي بدأت تتشكل في المشهد السوري الجديد توحي بأن الطريق نحو دولة المؤسسات المنشودة لا يزال طويلاً. من أكثر هذه الظواهر إثارة للانتباه بروز شخصية مؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، تحولت في فترة قصيرة إلى ما يشبه ضيف الشرف الدائم في الحياة السياسية والإعلامية السورية. يظهر الرجل في كل مكان تقريباً: في القصر الجمهوري، في أروقة الوزارات، في المؤتمرات والندوات، وحتى في اللقاءات التي يُفترض أنها رسمية أو شبه رسمية. الأبواب تُفتح له بسهولة لافتة، والصور مع كبار المسؤولين تتكاثر، وحضوره في وسائل الإعلام العربية والسورية يكاد يكون دائماً عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن السلطة الجديدة أو شرح سياساتها. ليست المشكلة في أن يدافع شخص عن الحكومة أو أن يبدي تأييده لها، فهذا طبيعي في أي بلد. المشكلة أن هذا الحضور الواسع لا يقابله أي منصب رسمي أو صفة واضحة، فالرجل ليس وزيراً، ولا مستشاراً معلناً، ولا مسؤولاً حكومياً، ولا حتى إعلامياً يعمل ضمن مؤسسة معروفة. ومع ذلك، يبدو أحياناً وكأنه يتمتع بحرية حركة ونفوذ لا يحظى بهما بعض المسؤولين والوزراء أنفسهم. يقال إن صاحب هذه الظاهرة كان صحافياً في السابق، قبل أن يترك المهنة ويتحوّل إلى رجل أعمال. لكن هذه الرواية، مثل تفاصيل كثيرة في الحياة العامة السورية، تبقى محاطة بضباب كثيف. فلا أحد يعرف على وجه الدقة طبيعة أعماله الخاصة اليوم في سورية وطبيعة علاقاته مع مفاصل السلطة، ولا إن كان قد أطلق مشاريع اقتصادية فعلية أم أن لقب "رجل أعمال" أو "إعلامي" أو "مؤثر" بات مجرّد بطاقة تعريف جاهزة تُمنح لمن يرغب في التحرّك بين السياسة والإعلام من دون مساءلة. الأكثر إثارة للاستغراب أن هذا الرجل شارك في استقبال شخصيات سورية وغير سورية جاءت للقاء الرئيس أحمد الشرع، أو مهّد لهم الطريق للقائه، كما حضر مؤتمرات واجتماعات إقليمية تتعلق بالشأن السوري. بعض هذه الفعاليات وجّهت له دعوات للمشاركة وكأنه يمثل جهة رسمية، بينما هو بدون صفة رسمية وبدون لقب وبدون منصب!  هنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن لشخصٍ بلا صفة رسمية أن يتحوّل إلى ما يشبه المندوب غير المعلن للسلطة السورية في الإعلام والمنتديات؟ وهل نحن أمام ظاهرة عابرة فرضتها ظروف المرحلة الانتقالية، أم أننا لم نتجاوز بعد مرحلة التخبط والفوضى وتداخل الشخصي مع الرسمي في عملية إعادة بناء الدولة؟ ... قد يقول بعضهم إن البلاد لا تزال في مرحلة انتقالية، وإن الفوضى في الأدوار أمر طبيعي بعد حرب طويلة. وربما في هذا الكلام شيء من الصحة، لكن المشكلة أن السوريين سمعوا مثل هذه التبريرات كثيراً في الماضي أيضاً، وفي مناسبات متعدّدة، وكانت النتيجة دائماً واحدة: تضخم النفوذ غير الرسمي على حساب المؤسسات وعلى حساب مفهوم الدولة الحديثة.  الدولة التي يسعى السوريون إلى بنائها بعد كل هذه السنين من الدمار يفترض أن تقوم على قواعد واضحة: من هو المسؤول، ومن يتخذ القرار، ومن يمثل الدولة في الداخل والخارج. أما أن يتحول المشهد إلى ما يشبه مهرجان علاقات عامة مفتوحا، حيث يظهر أشخاص بلا صفة رسمية في قلب السلطة، فذلك لا يبعث بالطمأنينة بقدر ما يبعث على السخرية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية