نقاش حول الأسلاف... فشلُنا حوّلهم لنموذج كامل بلا اعتبار للزمن
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
في حديثٍ مع صديقٍ سلفيٍّ سوري عن واقع المسلمين وخياراتهم للخروج من تخلّفهم وانحطاط مجتمعاتهم، والكفّ عن النفخ في قِرْبةٍ مثقوبة عبر التعامل مع المعطيات بواقعية، وعدم ترويج أوهامٍ عن القدرات الكامنة في التجربة الحضارية والنجاحات الصغيرة التي حصلت أخيراً، كإسقاط النظام السوري؛ لأن معركة البناء وتوفير شروط الاستمرارية هي الفيصل. أعادَ عليَّ مقولةَ الاقتداء بالسلف الصالح "الذين كانوا رهباناً بالليل وفرساناً بالنهار، ففتحوا الشرق والغرب وسادوا العالم"، وربط تفوّقهم بالتزامهم بالقيم الإسلامية والأخلاق التي تربّوا عليها على يدي النبي (عليه الصلاة والسلام). قلتُ له: أخشى أننا نبالغ في تقييمهم لدرجة تحويلهم إلى ملائكة، مع أنهم بشر يصيبون ويخطئون. وإن نظرةً موضوعيةً إلى سلوكهم وممارساتهم تجعلنا نخرج من تحت هيمنتهم على عقولنا ووجداننا، وبالتالي تحرّرنا من حضورهم الطاغي في حياتنا، وتفتح أمامنا طريق التفكير الحر والمستقلّ بوضعنا الراهن بواقعية، فنعيد بناء تصوّرات خاصة بنا في ضوء ثقافتنا وثقافة العصر ومعطياته العلمية والسياسية، لعلّنا ننجح في الخروج من المستنقع الذي نعيش فيه منذ قرون. وأخشى أن يكون فشل محاولات الخروج السابقة راجعاً إلى نظرتنا إلى تاريخنا وأسلافنا، وسعينا لإعادة إنتاج تجربتهم نتيجة اعتقادٍ خاطئ بأنهم أنموذج كامل وصالح لكل زمان ومكان.  قال: أنتَ هكذا تثير حولهم شبهات، فهل من مآخذ على أخلاقهم ونزاهتهم؟ قلت: ليس أنا، بل ما ورد في كتب التاريخ. يكفي أن ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة ماتوا مقتولين، وأن عدد مَن قُتل في صفّين والجمل جاوز خمسة عشر ألفاً، قتلوا بسيوف مسلمين، وفيهم عدد من صحابة النبي. فضلاً عن الذين قتلوا في حروب الخليفة الرابع، علي بن أبي طالب، وحروب بني أمية ضد ثورات الشيعة، وجرائم الحجاج وخالد بن عبد الله القسري، وزياد بن أبيه، ولاة بني أمية في البصرة والكوفة، وضحاياهم بالآلاف. ثم انقلاب بني العباس على الأمويين واستئصال شأفتهم، وتمزّق دولة الخلافة وقيام أكثر من مركز فيها: البويهيون، السلاجقة، الفاطميون، الأيوبيون، المماليك، وصولاً إلى السلطنة العثمانية.  قال: لكن ذلك لا يلغي عظمة التجربة وعظمة أسلافنا. قلت: نحن ننظر إلى أسلافنا بوصفهم قدوة، ونسبغ عليهم الكمال تحت ضغط فشلنا وعجزنا عن النهوض، كنوع من التعويض النفسي. فنحوّلهم إلى أنموذج كامل نريد إقامته من دون اعتبار للزمن والمتغيرات وإمكان تحقيق نتائج تماثل ما حققوه في أيام صعودهم. ونتجاهل الأسباب الموضوعية التي جعلتهم ينجحون ثم يفشلون، والأنكى أننا لا نعترف بأنهم فشلوا، ونربط نجاحهم بأسباب غير صحيحة؛ مثل تفوّقهم الديني والأخلاقي، وننزههم من الخطأ، ونربط إنجازات الحضارة الإسلامية بسلوكهم الديني والأخلاقي، وننسى أنهم فشلوا في مواصلة التقدم والنجاح رغم بقاء البعد الديني والأخلاقي قائماً، وأنهم لم يكونوا ملائكة ولا أنبياء. مشكلتنا الراهنة أن فينا من لا يزال يعتبر أن نسخ تجربتهم وصفة أكيدة للنجاح، من دون أن ندرسها بعمق قال: لكنهم قهروا إمبراطوريات وفتحوا أغلب العالم القديم. قلت: هذا صحيح، لكن له أسباباً موضوعية؛ فالإمبراطوريات التي تتحدث عنها، أي الفارسية والرومانية البيزنطية، كانت قد شاخت ونخرها الفساد ودخلت طور الانحطاط. فضلاً عن سوء علاقتها بمواطنيها بسبب الظلم والقهر المديد على أيدي ملوكها وولاتهم. ولما نهضت قوة فتية مندفعـة لتنقل رسالة الإسلام إلى العالم، وما تحمل من وعود بالحرية والعدل والمساواة، نجحت في هزيمة هذه الإمبراطوريات واستمالة شعوبها، فدخل الناس في سلطانها، وذلك قبل أن تتحوّل هي ذاتها إلى سلطة قاهرة. قال: وهل تمّ ذلك من دون الصفات الدينية والأخلاقية لأسلافنا؟ قلت: أنا أميّز بين عموم التجربة وسلوك الأفراد في ثناياها، ولا أعتقد أن دور الصفات الدينية والأخلاقية للأفراد (من دون إنكار الإضافة الإيجابية لها) هو سرّ نجاح التجربة، بل القدرات والخبرات والجهد والظروف الموضوعية السائدة. ولنا في تصرّف الخليفة الثاني عمر عبرة كبيرة؛ فقد استعمل ولاةً على خلفية سابقة الإسلام والإيمان، منهم عمار بن ياسر على الكوفة، وسلمان الفارسي على المدائن، وبلال الحبشي على الشام، ولما فشلوا في إدارة هذه الولايات عزلهم وولّى قريشيين أمويين ممن خبروا الحياة والتعامل مع مجتمعات متعددة ومتباينة وظروف متغيرة. وكذلك تصرّفه مع النصراني امرئ القيس بن عدي بن أوس، سيد بني كلب، الذي جاءه وأعلن إسلامه، فعقد له في الحال على قبيلة قضاعة في الشام، وليس للرجل سابقة في الإسلام، لكن له سابقة في الزعامة والإدارة والسمعة الطيبة. فالنجاح مرتبط بشروط موضوعية عامة، وتوفّر هذه الشروط جعل التجربة الإسلامية تتفوّق على محيطها آنذاك، ثم تغيرت الشروط فبدأت تتعثر وتتآكل إيجابياتها بتغير الأزمنة والمراحل، ففشلت في مواصلة التقدم قبل أن تفشل في إدارة التنوع والتعدد القومي والديني والمذهبي وتنهزم في مواجهة الخارج. فالأفراد يخطئون، لكن أخطاءهم لا تُحدث أثراً كبيراً إذا كانت الشروط العامة إيجابية وتعمل لصالح التجربة. ومثال ذلك ما فعله خالد بن الوليد في حروب الردّة. لكن آثار الأخطاء تظهر عند التراجع والدخول في طور الضعف. ومثال ذلك ما فعله الخليفة الثالث عثمان بن عفان بتقديم أقاربه في المناصب وما نتج عنه من تمرد وقتله وانفجار الصراع على السلطة بين المسلمين. وما يزيد أوضاعنا سوءاً أننا ننكر حصول الأخطاء ونعتبر تجربة أسلافنا كاملة ومنزهة، ونعتمدها معياراً نقيس عليه واقعنا ومستقبلنا. ومشكلتنا الراهنة أن فينا من لا يزال يعتبر أن نسخ تجربتهم وصفة أكيدة للنجاح، من دون أن ندرسها بعمق وندقق في الأسباب والظروف التي أحاطت بها، وسمحت بتحقيق نجاحاتها، والأسباب التي قادت إلى فشلها لاحقاً، ونأخذ العبرة ونتخذ الموقف المناسب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية