لا رشّة العطر تُجدي ولا الدهان
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يزداد سعير الحرب مجدّداً. قادتها غير الجدد يستوحشون ثانية، بينما أنيابهم لم تتوقّف بعد عن نهش البشر والحجر. ففي توقّف مصّاصي الدماء عن شرب دماء الشعوب، موتهم المحتّم. هكذا اغتصبت أميركا الناشئة منذ قرنين وحسب، أراضي الحضارات؛ اليانكي وسواها. وهكذا اغتصب الكيان الطارئ أرض الحضارة فلسطين، أرض الزيتون والتين والأنبياء.  لا أكاد أشغّل جهاز التلفزيون حتّى أسارع لإطفائه حين تصل دماء الضحايا الأبرياء حافّته، فلا تندلق على أرض البيت وتطشّني بسخونتها الحارقة، ولم أنته بعد من تقشير الدماء العتيقة المتيبّسة على جلدي. "تعبنا يا اللّه" عبارة يائسة تخرج صامتة أو معلنة من آلاف العيون والألسن، في شوارع المدن وساحاتها، ودروب القرى. أهرب من وسائل التواصل الاجتماعي مراراً، ما إن أطلّ على إحداها حتّى تبصق في وجهي آيات الكراهية الرهيبة، وتوجّه إلى صدري فوّهات القتل والأحقاد الطائفيّة والقوميّة وسواها. لن تغفر لأيّ بريء أو مناضل سنوات التعب كي تحيا البلد، كلّ البلد. ما للساني يحجب عنّي لفظ الوطن؟ بلى، بكامل قيافة ضعفي ونزاهة عشقي لهذه الأرض، سأقاوم. أكتب هذه السطور على صوت هدير الطيران الصهيونيّ يستبيح سماءنا تحت الشمس. لن أتوانى يوماً عن تسميته باسمه الحقيقيّ "المحتلّ الغاصب" لأرض فلسطين والجولان وما يزال يتمدّد في جنوبنا حتى يكاد يصل شرفتي. الاحتلال جريمة كبيرة لا تسقط بالتقادم، فما بالنا وهو ما يزال ينهش ما يحلو له من الفرات إلى النيل، من المحيط إلى الخليج. وماذا عن حالنا نحن السوريّين؟ المسلّحون بيننا يقتلون، يسرقون، يستبيحون البيوت والنساء. والضحايا تغمرها الدماء أو صمت الانتظار المريع. لا قوانين أو محاكمات. يسطّر حماة القتلة الأكاذيب والادعاءات والتصريحات المتضاربة. تنتكب البلاد المعطّلة أكثر فأكثر. بينما سادتها وزبانيتهم منشغلون برائحة الربيع الكاذب والأزهار المؤجّلة والثمار الموعودة. نزدحم بقبور الضحايا الأبرياء المغدورين، وبقتل دموع أحبّتهم المفجوعين. تكتظّ بنا طوابير العوز والجوع، البرد والفقد. بينما يطلسون بألوان الدهان الزاهية ويطمسون الحقائق.  أجدني أعود إلى سنة 1907، وقت أُدرجت البنود الأربعة في تقرير هنري كامبل بينرمان رئيس وزراء بريطانية، وتقضي بـ: تقسيمها، عدم نقل التكنولوجيا الحديثة إليها، إثارة العداوة بين طوائفها، زرع جسم غريب عنها يفصل بين شرق البحر المتوسّط والشمال الأفريقي. تعود (الهاء) لبلدان شرق المتوسّط والشمال الأفريقيّ آن خلاصها من الاحتلال العثماني. كان ذلك هو التقرير النهائي لمؤتمرات الدول الاستعماريّة الكبرى، استمرّ المؤتمر سنتين (1905-1907)، سمّي بمؤتمر كامبل بينرمان، شاركت فيه دول أوروبيّة عديدة، وأخرج سرّاً "وثيقة كامبل" التي قضت بأنّ المنطقة المعنيّة هي الوريث المحتمل للحضارة الحديثة، حضارة الرجل الأبيض، ولكونها معادية لحضارتهم، كان لا بدّ من إيجاد خطّة للسيطرة عليها. وهكذا قُرّر بأنّ أرض فلسطين، بزعم خرافة توراتيّة، هي أرض الميعاد اليهوديّة. ودأبت الصهيونيّة العالميّة بزعامة آل روتشيلد لتحقيق ذلك. كما هدفت الوثيقة لضمان ديمومة احتلال بريطانيا وأوروبا للمنطقة العربيّة إلى أبعد مدى، ولتقليص المدّ الاستعماريّ الألماني. وقدّمت أيضاً الحلّ لأوروبا للخلاص من اليهود الصهاينة شذّاذ الآفاق. وسيقدّم كامبل الوثيقة لآرثر بلفور زعيم حزب الأحرار آنذاك. تلك البداية المعلنة لما نزال عليه. تخترق الحرب سماءنا بلا رادع، وقتلت شظايا صاروخ مواطنيْن، أحدهما في الجوار، ظلّ حتى مسائه الأخير (يُفسبك) مهدّداً المختلفين عنه، بينما صفحة الثاني نمّت عن حالم بسوريّة آمنة وحرّة كريمة.  أتقدّم لنا، غير البلاء، عطور معربد قادم من جزيرة إبستين؟ وفجور صهاينة محتلّين أنشأوا تلك الجزيرة؟  

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية