عربي
في "كان يا مكان" يرويها ليف تولستوي، مستقياً روحها من فلاسفة الزن، هناك حكاية تبدو بسيطة حدّ السذاجة، لأن كل الحكايات العظيمة هكذا، ولأنها كذلك، اختصرت بصفاء نادر، المأزق الإنساني كله. في صباح ككل صباح، خرج رجل من مأواه ليرى شمس الحياة، فإذا به يُلاحَق من نمر مفترس. بلا وجهة نحو الخلاص، بارتباك من يبحث عن نجاة، ظل الرجل يجري، حتّى وجد نفسه منزلقاً على حافة هاوية سحيقة، بحسّ نجاة لا بدّ منه، أمسك بغصن شجيرةٍ برّية نبتت في الصخر، تعلّق بها رغم أنه ما زال ملاحقاً بالنمر، وتحته هاوية، وليتم نهاره التعس، يأتيه فأران، أبيض والآخر أسود، يبدآن بقرض الغصن الذي يتشبث به بكلتا يديه. في لحظة الانهيار قبل السقوط نحو الهاوية، تقع عيناه على حبات توت بري شديدة الحمرة، تداعب برائحتها أنفه، وتحتك حباتها الناضجة بخديه. مستسلماً للغواية، مضحياً بأمانه الهش، يمدّ الرجل يده، يقطف واحدة، يأكلها، ثم ثانية، فعاشرة.. ليدرك أنه لم يتذوق في حياته كلها أطيب من تلك الحبات.
في سياق تأملاته الأخلاقية والفلسفية، التي انشغل فيها تولستوي بسؤال المعنى، وربما بشكل أدق، بسؤال اللامعنى أمام حتمية الموت، تبدو هنا حكايته وكأنها العظة التي ألبسها مسوح الحكمة، كتشخيص قاسٍ لوضع الإنسان نفسه: ها نحن كلنا نستفيق ونمر الحياة الجشع آتٍ لالتهامنا، نهرب فنجد أنفسنا معلّقين فوق تلك الهاوية، بينما يقرض فأر الزمن بليله الأسود ونهاره الأبيض حياتنا ببطء، يوماً بعد يوم كما يفعل الفأران. رغم كل هذا نتابع، ننسى هشاشة حياتنا أمام جمال توتة برية حمراء بطعم الفرح.
ها نحن بلا فلسفات الزن، ولا تأملات تولستوي، ننظر اليوم إلى الحروب التي تتسع رقعتها كخلايا سرطان فقدت عقلها، من إيران إلى الخليج، من اليمن إلى العراق، من لبنان إلى فلسطين، من موت إلى موت، من جمر قلب مطفأ، إلى نواحٍ لا يشتفي. ها هي الحكاية تبدو أقل تجريداً مما كانت عليه في زمن تولستوي، حيث ملايين البشر لم يعودوا يقرؤونها كاستعارة فلسفية. ما تغيّر في زمننا ليس وجود الحروب، فالتاريخ لم يعرف زمناً خالياً منها. ما تغيّر أنها لم تعد انقطاعاً بين فترتَي سلم. إنها قماشة السينما التي تُفرد حياتنا فوقها، الخلفية التي تجري حياتنا أمامها. لم نعد نعيش زمناً تقطعه الحرب، بل نعيش زمن حرب ننثر داخله قدراً من الحياة، بعضاً من حبات توتٍ أحمر لذيذ.
بلا فلسفات الزن، أو دروس تولستوي، فهم السوريون فلسفة الحياة، احتفوا بهشاشتها، بقيمتها "الثانيّة" من الثواني، إذ قد تقرر الحرب وجودك من عدمه بتكة من عداد الوقت، قد يلتهمك النمر بقضمة، قد تسقطك الهاوية أيضاً حين تملّ من لعبة التعلّق فتقطع غصن حياتك الغض لمجرد النزق.
مع هذا، أتت الحرب، في مرآة عملاقة ترسل انعكاساتها المتطابقة عبر الحدود، يعي السوريون أن عبارة "العيش بالرغم من الحرب" لم تعد دقيقة كونها تفترض أن الحياة تقف في جهة، والحرب في جهة، بينما الواقع بسورياليته أكثر التباساً. كون كل الحروب، أدارت فوق أرضنا أم لم تفعل، ستأتي بالنهاية لتزورنا: بصاروخ ضال، بشحّ الزيت والطحين، بازدياد العتمة، باشتباك البرد بعظام العجائز. ستزورنا الحرب. سنعيش من جديد تحت سمعها وبصرها. نواصل أعمالنا، نكتب، نحب، نقلق على تفاصيل صغيرة، نخطط، ونحلم. لا لأننا سنعيش بالرغم من الحرب، بل لأننا قررنا، ومنذ زمن، أن نعيش مع الحرب متلذّذين بتوت الحياة الأحمر البري.

أخبار ذات صلة.
واشنطن وشبح الخوف من حرب مستعصية
العربي الجديد
منذ 8 دقائق