عربي
خرجت سورية من حربٍ مدمّرة استمرت أكثر من عقد، لتجد نفسها أمام خرابٍ اقتصادي عميق لا يقل قسوةً عن الدمار العمراني. فبعد سقوط نظام بشّار الأسد، واجهت السلطة المؤقتة واقعاً هشّاً يتمثل في بنية إنتاجية شبه مشلولة، وقطاع خاص منهك، وعملة فقدت معظم قيمتها، وبطالة متصاعدة تطاول الذكور والإناث. لم يكن سقوط النظام نهاية الأزمة، بل بداية اختبار اقتصادي معقد، حيث تداخلت آثار الحرب الداخلية مع ضغوط إقليمية جديدة زادت المشهد تعقيداً، خصوصاً مع تصاعد التوتر والحرب بين إسرائيل وأميركا من جهة وإيران من جهة أخرى، ما انعكس سلباً على الاقتصاد السوري في لحظة حرجة كان يحتاج فيها إلى استقرار نسبي لإعادة التقاط أنفاسه.
زادت عودة مئات آلاف من السوريين منذ بداية عام 2025 الضغط على سوق العمل، في غياب القدرة الاستيعابية
البطالة تُهدّد مرحلة الانتقال السياسي
تشهد سورية اليوم واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها المعاصر، إذ تتقاطع التحولات السياسية العميقة مع واقع اقتصادي هشّ ومرهق. وفي قلب هذا المشهد، تقف البطالة بما هي أحد أخطر التحديات التي تُعيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتُهدّد قدرة الحكومة الانتقالية على تحقيق وعودها بالتعافي والتنمية. وتفيد أحدث التقديرات الدولية بأن معدل البطالة في سورية بلغ نحو 13% عام 2024 وفق بيانات منظمة العمل الدولية، بينما تُقدّر بيانات البنك الدولي أن النسبة ارتفعت إلى 14% في عام 2025. والتوقعات الاقتصادية أنها ستستقر حول 14% في عام 2026.
تُعد بطالة الشباب إحدى أكثر الظواهر إلحاحاً وخطورة، حيث وصلت إلى 33.1% عام 2025، بحسب بيانات البنك الدولي، وهي من الأعلى في المنطقة، وتعكس حجم التحدّيات التي تواجه جيلاً كاملاً يقف اليوم على عتبة المستقبل بلا فرص عمل حقيقية. وقد دمّرت سنوات الصراع الطويلة البنية الإنتاجية، وأضعفت القطاعين، الصناعي والخدمي، حيث يؤكد تقييم لوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن البطالة بلغت 24% عام 2024 في عدة مناطق بسبب غياب فرص العمل وتضرّر القطاعات الصناعية والخدمية الأساسية.
وقد زادت عودة مئات آلاف من السوريين منذ بداية عام 2025 الضغط على سوق العمل، في غياب القدرة الاستيعابية، وتفيد تقارير بأن 83% من سوق العمل السوري غير رسمي، ما يعني غياب التأمين الاجتماعي والحماية القانونية، ويجعل ملايين العمال عرضة للاستغلال أو فقدان الدخل فجأة.
أسباب البطالة في سورية اليوم متشابكة. أولها تدمير البنية الصناعية والزراعية خلال سنوات الحرب، إذ خرجت آلاف المنشآت من الخدمة، وتضرّرت الأراضي الزراعية وشبكات الري، وهُجّر جزء كبير من اليد العاملة الماهرة. كما أن انقطاع سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والطاقة جعلا إعادة تشغيل المصانع مسألة مكلفة تفوق قدرة كثير من المستثمرين. يضاف إلى ذلك ضعف البيئة القانونية والاستثمارية، وغياب التمويل الكافي، وتردد رؤوس الأموال المحلية في المجازفة ضمن مناخ سياسي وأمني غير مستقر بالكامل. ومع عودة أعداد من النازحين واللاجئين تدريجياً، ازداد الضغط على سوق العمل المحدود أصلاً، فارتفعت نسب البطالة، خصوصاً بين الشباب وخرّيجي الجامعات الذين لا يجدون فرصاً تتناسب مع مؤهلاتهم. ولم تعد البطالة حكراً على الرجال، بل امتدت إلى النساء اللواتي دخلن سوق العمل بكثافة أكبر خلال سنوات الحرب، سواء بدافع الحاجة أو فقدان المعيل، لكن السوق لم يتوسع بالقدر الكافي لاستيعابهن.
أما دخل الفرد السوري فهو اليوم أحد أبرز المؤشرات على عمق الأزمة، فالرواتب في القطاعين العام والخاص لا تكاد تغطي جزءاً بسيطاً من تكاليف المعيشة. ترتفع أسعار المواد الغذائية بشكل متواصل نتيجة ضعف الإنتاج المحلي، وارتفاع كلفة الاستيراد، وتذبذب سعر الصرف. الإيجارات تضاعفت في المدن التي شهدت استقراراً نسبياً، فيما بقيت الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه ومحروقات مكلفة ومتقطعة. النتيجة أن متوسط دخل الأسرة بات بعيداً جداً حتى عن خط الفقر، وأصبح كثير من السوريين يعتمدون على التحويلات الخارجية من أقارب في المهجر، أو على أكثر من عمل لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات. هذا الخلل بين الدخل والإنفاق دفع شريحة واسعة من الناس إلى البحث عن حلول فردية خارج الأطر التقليدية للعمل.
المواطن الذي كان يأمل بتحسن تدريجي بعد تغيير السلطة، عاد ليشعر بأن بلده ساحة لتجاذبات أكبر من قدرته على الاحتمال
من هنا برزت ظاهرة المشاريع المنزلية الصغيرة خياراً اضطرارياً للبقاء. فمنتجات “كاللبنة والمكدوس” والتي كانت تغص فيها غرف "المونة" في بيوت السوريين أصبحت اليوم سلعة تعرض على شبكات التواصل الاجتماعي بهدف البيع، إعداد المخللات والمربيات، الخبز المنزلي، الخياطة، وحتى إعادة تدوير بعض المواد، كلها تحولت إلى مصادر دخل أساسية لأسرٍ كثيرة. هذه المبادرات إن كانت تعكس مرونة المجتمع السوري وقدرته على التكيّف، لكنها في الوقت نفسه مؤشّر على انكماش الاقتصاد المنظم. فبدل أن تكون هذه الأنشطة مكملة لدخل مستقر، أصبحت بديلاً عن وظائف مفقودة. وغالباً ما تفتقر هذه المشاريع إلى الدعم والتمويل والتسويق، فتظل أرباحها محدودة، وتبقى عرضة لتقلبات الأسعار وارتفاع تكاليف المواد الأولية. ومع ذلك، فإنها خففت جزئياً من وطأة البطالة، ووفرت شبكة أمان غير رسمية حالت دون انهيار اجتماعي أوسع.
لم يمضِ الوقت الكافي للتعافي اقتصادياً حتى جاء التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران ليضيف طبقة جديدة من الضغوط. فالتوتر الإقليمي انعكس مباشرة على سورية بحكم موقعها الجغرافي وتشابك ساحتها مع أطراف النزاع. أي اضطراب في المنطقة يعني ارتفاعاً فورياً في أسعار الوقود والشحن والتأمين، ما يزيد كلفة الاستيراد على بلد يعتمد إلى حد كبير على الخارج لتأمين احتياجاته. كما أن المخاوف الأمنية تدفع المستثمرين إلى التريث، وتؤجل مشاريع إعادة الإعمار، وتحدّ من تدفق المساعدات والاستثمارات. كذلك فإن العقوبات المرتبطة بالصراعات الإقليمية تعقّد حركة التحويلات المالية، وتزيد من عزلة الاقتصاد السوري عن النظام المالي العالمي. يحدث ذلك كله في وقت لم يتعافَ فيه الاقتصاد بعد من صدمة الحرب الداخلية، ما يجعل البطالة مرشّحة للارتفاع مجدّداً إذا لم تُتخذ
إجراءات سريعة
لا يقتصر تأثير هذه الحرب على الأرقام، بل يمتد إلى المزاج العام. فالمواطن الذي كان يأمل بتحسن تدريجي بعد تغيير السلطة، عاد ليشعر بأن بلده ساحة لتجاذبات أكبر من قدرته على الاحتمال. ومع كل خبر عن تصعيد عسكري، يرتفع سعر الصرف في السوق، وتشتعل أسعار السلع، ويزداد قلق التجار والمستهلكين على حد سواء. هذا المناخ النفسي يؤثر بدوره على النشاط الاقتصادي، إذ يتجه الناس إلى الادخار أو الاكتناز بدل الاستثمار والإنفاق، ما يبطئ عجلة السوق.
يقول المحلل الاقتصادي علي مهنا: "أمام هذا الواقع، تبدو المهام الإسعافية للحكومة المؤقتة واضحة لكنها صعبة. إذ يجب تثبيت الاستقرار النقدي عبر سياسات مالية شفافة، وضبط الكتلة النقدية، والسعي للحصول على دعم خارجي مشروط بإصلاحات حقيقية، وإطلاق برامج سريعة لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، من خلال قروض ميسرة، وتدريب إداري وتسويقي، وتنظيم الأسواق الشعبية، بما يحول المبادرات المنزلية من حلول بقاء إلى نواة اقتصاد محلي منتج، وإعادة تأهيل البنية التحتية، كما يجب تبسيط الإجراءات الإدارية ومحاربة الفساد لضمان بيئة أكثر جاذبية للاستثمار المحلي والخارجي. وأخيراً، العمل دبلوماسياً على تحييد سورية قدر الإمكان عن صراعات المحاور، لأن أي انزلاق جديد إلى دائرة المواجهة سيقضي على ما تبقى من فرص التعافي"
إنقاذ الاقتصاد السوري لا يتطلب معجزات بقدر ما يحتاج إلى إدارة رشيدة وقرارات شجاعة تعترف بحجم الكارثة. البطالة ليست مجرّد رقم، بل هي شعور يومي بالعجز وفقدان الأمل. وضعف الدخل ليس مسألة إحصائية، بل معاناة تتجسّد في مائدة طعام أصغر، ودواء مؤجل، ومستقبل غامض. وبين مشاريع "اللبنة والمكدوس" الصغيرة وأحلام إعادة الإعمار الكبرى، تقف سورية اليوم عند مفترق طرق: إما أن تنجح في تحويل مرحلة ما بعد الحرب إلى فرصة لإعادة بناء اقتصاد أكثر عدالة وإنتاجية، أو أن تبقى رهينة هشاشة داخلية وصراعات إقليمية لا ترحم.

أخبار ذات صلة.
واشنطن وشبح الخوف من حرب مستعصية
العربي الجديد
منذ 8 دقائق