الاقتصاد الأسود للحوثيين المخدرات كأداة تمويل وتفكيك للمجتمع
تقارير وتحليلات
منذ 15 ساعة
مشاركة

مدخل نظري

تمثل تجارة المخدرات إحدى أخطر التهديدات العابرة للحدود التي تواجه الدول والمجتمعات الحديثة، لما تسببه من آثار اقتصادية وأمنية واجتماعية عميقة، هذه التجارة غير المشروعة لا تقف عند حدود الإضرار بالصحة العامة أو تفكيك النسيج الاجتماعي، بل أصبحت رافداً رئيسياً لما يعرف بـ “الاقتصاد الأسود” الذي يمول الحروب ويقوّض استقرار الدول. وتعد فئة الشباب الهدف الأبرز لهذا الخطر نظراً لدورها الحيوي في التنمية وبناء المستقبل.

تظهر أدبيات الصراع أن الجماعات المسلحة تبني استدامتها عبر منظومات تمويل غير مشروعة تتكامل فيها ثلاثة مسارات، تهريب السلع عالية الربحية (المخدرات والوقود)، غسل العائدات عبر شبكات شركات واجهة ونظم تحويل غير رسمية، واقتناء السلاح أو مكوناته عبر مسالك بحرية وبرية ملتوية، هذا الترابط يُترجم عملياً إلى دورة مغلقة تحافظ على قنوات التهريب، وتبرز الميليشيات المرتبطة بإيران – ومنها الحوثيون– كنموذج تطبيقي لهذه الدورة، مدعومة ببنىً لوجستية ومالية عابرة للحدود.() 

استمرار الحرب في اليمن منذ سبتمبر 2014م، تجاوزت العمليات العسكرية المباشرة إلى حرب خفية تستهدف عقول الأفراد ووعي المجتمع، من خلال نشر وتعاطي وترويج المخدرات في مناطق سيطرة جماعة الحوثي المسلحة، تحولت هذه الجماعة، المدعومة من إيران، إلى فاعل رئيسي في شبكات تهريب وتوزيع المخدرات، موظفة هذه التجارة كوسيلة مزدوجة لـتمويل عملياتها العسكرية والسياسية من جهة، وتفكيك المجتمع وإضعاف وعيه الجمعي من جهة أخرى.

تؤكد تقارير أمنية ودولية، منها تقارير صادرة عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) وتقارير وزارة الداخلية اليمنية الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، على تزايد كميات المخدرات المضبوطة في المنافذ البرية والبحرية، وعلى توسع شبكات الاتجار بها في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يؤشر إلى تحول اليمن إلى ساحة مفتوحة للجريمة المنظمة وممر لتهريب المؤثرات العقلية نحو دول الجوار()

أضحت تجارة المخدرات في اليمن خلال سنوات الحرب ظاهرة مركبة تتجاوز كونها مجرد نشاط إجرامي فردي إلى كونها ركيزة اقتصادية ممنهجة لجماعة الحوثي، فقد وجدت الجماعة في هذه التجارة وسيلة لتمويل الحرب بعيداً عن الرقابة الدولية والالتزامات المصرفية، كما وظفتها أيديولوجياً لتخدير المجتمع وخلق حالة من “الخدر الجمعي” تُفقِد الأفراد قدرتهم على المقاومة والرفض.

يهدف هذا التقرير إلى تحليل البنية الاقتصادية غير المشروعة لجماعة الحوثي، مع التركيز على تجارة المخدرات باعتبارها أحد أبرز أذرع تمويلها، وذلك من خلال استعراض مفهوم الاقتصاد الأسود وتطبيقاته في الحالة اليمنية ضمن مناطق سيطرة الحوثيين، وإبراز دور الجماعة  في توظيف تجارة المخدرات كمصدر تمويلي موازٍ للموارد الرسمية وعبر الحدود، مع توضيح انعكاسات تجارة المخدرات على الاقتصاد الوطني والنسيج الاجتماعي والأمن الإقليمي، وتقديم إطار حقوقي وقانوني لمساءلة هذه الأنشطة وفق القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

يُعرّف الاقتصاد الأسود بأنه مجموع الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة التي تمارس خارج نطاق القانون والرقابة الرسمية، وتشمل التهريب، وتجارة الأسلحة، وغسيل الأموال، والمخدرات، والجبايات غير القانونية. وفي اليمن، شكّلت جماعة الحوثي نموذجاً صريحاً لما يُعرف بـ “اقتصاد الميليشيات”، إذ أنشأت شبكة اقتصادية موازية تسيطر من خلالها على موارد الدولة والأسواق، وتعيد توزيعها عبر قنوات تابعة لقياداتها().

منذ استيلائها على العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر 2014، أحكمت الجماعة قبضتها على بعض الموانئ والمنافذ في نطاق سيطرتها، وفرضت جبايات قسرية على التجار، واستحدثت شبكات لتهريب المشتقات النفطية والمخدرات بالتعاون مع أطراف إقليمية، وعلى رأسها “الحرس الثوري الإيراني” و”حزب الله اللبناني”() هذه الأنشطة تندرج ضمن منظومة متكاملة للاقتصاد الأسود، هدفها تأمين التمويل الذاتي وتقويض مؤسسات الدولة الشرعية.

مصادر الاقتصاد الأسود للمليشيات

  1. الجبايات والضرائب غير القانونية، فرض إتاوات على التجار والمزارعين وأصحاب المشاريع الصغيرة، إضافة إلى استحداث رسوم غير دستورية على السلع والخدمات.
  2. نهب الموارد العامة، الاستيلاء على عائدات الموانئ، وضرائب شركات الاتصالات، وموارد الطاقة كالنفط والغاز.
  3. تجارة المخدرات والسلاح، اعتماد شبكات تهريب إقليمية ودولية لتوفير التمويل عبر أنشطة محظورة تهدد الأمن والسلم الدوليين.
  4. تحويل المساعدات الإنسانية، السيطرة على المساعدات وتحويلها إلى الأسواق السوداء، أو استخدامها لتعزيز الولاء السياسي والعسكري.
  5. غسيل الأموال، استخدام شركات وهمية وتحويلات مالية عبر قنوات غير رسمية لإخفاء مصادر التمويل المشبوهة.

المخدرات كأداة تمويل وتفكيك

أظهرت المعطيات الميدانية أن تجارة المخدرات تحولت إلى استراتيجية اقتصادية ممنهجة تقوم على التمويل غير المشروع، استخدام عوائد تهريب المخدرات لتغطية نفقات الحرب، وشراء الأسلحة، وتمويل الأنشطة الدعائية والتجنيد، وتفكيك المجتمع، ونشر المخدرات بين فئات الشباب والمقاتلين لتخدير الوعي وإضعاف روح المقاومة الشعبية، وتعزيز الولاء القسري للجماعة، ومحاولة خلق اقتصاد موازٍ عبر بناء شبكات تهريب وتوزيع ترتبط بقيادات ميدانية واقتصادية عليا في الجماعة، ما جعل من المخدرات ركيزة لاقتصاد حرب مستدامة.

تشير الشهادات الحقوقية إلى أن الحوثيين يستخدمون شركات أدوية محلية وصيدليات خاصة كغطاء لتصنيع أو تمرير حبوب “الكبتاجون” والحشيش عبر تصاريح مزيفة،كما أن تزايد ظاهرة الإدمان في أوساط المقاتلين أضحى مؤشراً على استخدام المخدرات ضمن برامج التعبئة العسكرية بهدف إلغاء الخوف، وتعزيز السلوك العدواني، وتحويل المقاتل إلى أداة فاقدة الإرادة().

تعد تجارة المخدرات من الجرائم الدولية الخطيرة التي تندرج ضمن إطار الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية لعام 1988، والتي تلزم الدول باتخاذ تدابير تشريعية صارمة لملاحقة مرتكبيها وتجفيف منابع التمويل غير المشروع، كما تلزم المادة (4) من القانون اليمني رقم 3 لسنة 1993 بشأن مكافحة المخدرات السلطات المختصة بملاحقة كل من يزرع أو يصنع أو يروج أو يتاجر بهذه المواد، وتصل العقوبات إلى الإعدام في الحالات المشددة، غير أن سيطرة جماعة الحوثي على مؤسسات القضاء والأمن في مناطق سيطرتها عطّلت تطبيق القانون، وحولت هذه الجرائم إلى أنشطة محمية بغطاء سلطوي، ما يضاعف من مسؤولية المجتمع الدولي في مساءلة الجماعة وفق القانون الدولي الإنساني وقرارات مجلس الأمن، خاصة القرار (2216/2015) المتعلق بحظر تسليح الحوثيين وملاحقة مصادر تمويلهم.

وفقاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة عبر الوطنية، فإن ما تقوم به الميليشيات يعد انتهاكاً جسيماً لسيادة الدول وحقوق الإنسان، واتفاقية فيينا 1988م، التي تلزم الدول بمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات، واتفاقية باليرمو 2000 لمكافحة الجريمة المنظمة تجرم الشبكات التي تنشط فيها الميليشيات، وعلى المستوى الوطني، فإن الدستور اليمني وقانون مكافحة المخدرات وقانون العقوبات يجرم هذه الأفعال ويعتبرها تهديداً للأمن القومي والمجتمعي.

يمثل اقتصاد الميليشيات – وفي مقدمته تجارة المخدرات – تهديداً خطيرا للدولة اليمنية، إذ يحوّل المجتمع إلى رهينة بيد جماعة مسلحة ترتبط بأجندة خارجية. إن مواجهة هذا الخطر تقتضي تفعيل آليات المساءلة الدولية، وتعزيز دور الحكومة الشرعية في استعادة مؤسساتها المالية، وبناء شبكة تعاون إقليمي ودولي لقطع طرق التمويل غير المشروع، فلا مستقبل للدولة ولا استقرار للمجتمع في ظل استمرار “اقتصاد الميليشيات” على حساب “اقتصاد الدولة”.

تورط الحوثيين في انشطة غير مشروعة وعلى راسها المخدرات

صُنّفت جماعة الحوثي كمنظمة إرهابية عالمية محددة بشكل خاص (SDGT) بموجب الأمر التنفيذي 13224 اعتباراً من 16 فبراير 2024، ثم كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO) في 5 مارس 2025، وفي 11 سبتمبر 2025، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على 32 فرداً وكياناً، وحدد أربع سفن، في أكبر حزمة عقوبات تستهدف الشبكات المالية واللوجستية للحوثيين، والتي تعتمد على التهريب، والشركات الوهمية، والاستيلاء الاحتيالي على الأصول العامة والخاصة لتمويل أنشطتهم العسكرية ()

وتندرج هذه الشبكات ضمن منظومة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، التي تشمل ـ وفق المعايير الدولية، أنشطة التهريب المتعددة، بما فيها الاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية، واستخدامها كمصدر تمويل غير مشروع وأداة لإضعاف المجتمعات الواقعة تحت سيطرتهم، الأمر الذي يضع الجماعة في صلب الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي ومكافحة تمويل الإرهاب.

ارتباط تجارة المخدرات بالاستراتيجية الإيرانية

إن إدارة تجارة وتهريب المخدرات داخل مناطق سيطرة الحوثيين تجري بسرية بالغة وتحت إشراف مباشر لقيادات عليا في الصف الأول من الجماعة، يشغلون مواقع حساسة في قيادة الجماعة، تقارير دولية وحكومية، اعتبرت شبكات المخدرات إحدى الأدوات الاستراتيجية التي توظفها إيران في تمويل حلفائها الإقليميين، ويبرز في مقدمتهم الحوثيون الذين يعتمدون على العائدات غير المشروعة من تجارة المخدرات لشراء الأسلحة وتمويل العمليات العسكرية والأنشطة العدائية، وهو ما يعكس خطورة الظاهرة من زاوية أمنية وقانونية وسياسية على حد سواء.()  

 وتوضح تقارير ميدانية أن جزءاً من هذه الشحنات يعاد توجيهه نحو المملكة العربية السعودية عبر عصابات تهريب ترتبط تنظيمياً بالحوثيين، وتعمل في المناطق الحدودية الواقعة تحت سيطرتهم، كما تنشط بعض هذه العصابات في مناطق أخرى خاضعة للحكومة الشرعية، مستفيدة من الاختراقات الأمنية وضعف الرقابة، ولا سيما في الأوساط الريفية، وتستغل جماعة الحوثي الطبيعة الجغرافية لمحافظة صعدة، التي تعد معقلها الرئيس والمتاخمة للحدود السعودية، في تكثيف عمليات التهريب باتجاه دول الخليج، وذلك بعد أن تغرق الأسواق المحلية في كل من المناطق المحررة والمناطق الخاضعة لها بالمخدرات().  

قيادات حوثية بارزة تدير تجارة المخدرات، ومرتبطة مباشرة بشبكات التهريب والتوزيع

أشار تقرير فريق خبراء مجلس الأمن الدولي المعني باليمن الصادر في 26 يناير/كانون الثاني 2022 إلى أن ميليشيا الحوثي طورت شبكات مالية غير مشروعة مكثفة، ما دفع المجلس إلى إدراج أسماء قيادات وكيانات تابعة لها ضمن قائمة الجزاءات المفروضة بموجب القرار 2140 (2014) ، بيّن التقرير أن هذه الشبكات تعتمد على أساليب متنوعة لتأمين الموارد، من بينها مصادرة الأصول والأموال وفرض الجبايات غير القانونية، إلا أن الأخطر يتمثل في انخراطها في أنشطة التهريب والاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية، والتي أصبحت أحد المصادر الرئيسية لتمويل عملياتها، ويؤكد التقرير أن تجارة المخدرات تمثل رافداً استراتيجياً لاقتصاد الحرب لدى الميليشيا، نظراً لما تدره من أرباح ضخمة تتيح لها الاستمرار في شراء الأسلحة وتمويل أنشطتها العسكرية، كما يقترن ذلك باستغلال موارد أخرى مثل الجبايات على الأنشطة التجارية، واستحداث ضرائب ورسوم جمركية غير قانونية، ونهب الأموال العامة والخاصة، ما يعزز بنية اقتصادية قائمة على الجريمة المنظمة والابتزاز، تسهم في إطالة أمد الصراع وتعميق الأزمة الإنسانية في اليمن، وجاء في تقرير الفريق الأممي: “حقق الفريق في الأموال والأصول المالية والموارد الاقتصادية التي تملكها أو تتحكم فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة الجهات من الأفراد المدرجة أسماؤهم في قائمة الجزاءات في إطار نظام الجزاءات المفروض بموجب قرار مجلس الأمن 2140 (2014)، أو الجهات من الأفراد أو الكيانات التي تعمل باسمها أو وفق توجيهاتها، أو الكيانات التي تملكها أو تتحكم فيها، في انتهاك القرار 2140 (2014)، هذه الجهات تستخدم الأساليب التالية لتمويل أنشطتها، منها مصادرة أصول وأموال الأفراد والكيانات، تلقي التمويل من مصادر عبر الحدود، الانخراط في تجارة السوق السوداء وفرض رسوم غير قانونية على استيراد الوقود وعلى أنشطة تجارية أخرى، التزوير والتهريب والاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية …..”()، وأظهرت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومكتب مكافحة المخدرات والجريمة (UNODC) أن مناطق النزاع عادة ما تصبح حاضنة مثالية لشبكات تهريب المخدرات، وهو ما ينطبق بوضوح على الحالة اليمنية، وقد وردت في عدة تقارير أمنية خليجية أن الحوثيين متورطون في تهريب الحشيش والميثامفيتامين والكبتاغون إلى أراضي المملكة العربية السعودية بشكل متكرر، وغالباً ما يتم ضبط هذه المواد بكميات هائلة تفوق الاستهلاك المحلي، هذه الأدلة تكشف أن التصدير إلى الجوار جزء من استراتيجية اقتصادية حوثية.()

تقليص الاعتماد على الدعم الخارجي

تبنت جماعة الحوثي تجارة المخدرات كأداة تمويل مستفيدة من تطور أساليب الجماعات الإجرامية في تكثيف الإنتاج، وإخفاء المواد المخدرة كيميائياً، وتوظيف التكنولوجيا لتأمين الاتصالات وتوسيع شبكات التوزيع ()،  

 وقد قدّرت تقارير الاتحاد الأوروبي عائدات تجارة الكبتاغون التي تمت من خلال النظام السوري السابق بنحو 10 مليارات دولار سنوياً، وتسهم هذه التدفقات المالية غير المشروعة في تعزيز اقتصاد الظل()، ويُستخدم هذا النشاط لتمويل شراء السلاح وتعزيز القدرات العسكرية للمليشيات، بما يؤكد وجود علاقة طردية بين عوائد المخدرات ومستوى التصعيد العسكري، ودور المخدرات كأداة مزدوجة للتّمويل الداخلي وإضعاف الخصوم إقليمياً.

مع سقوط نظام الأسد وتراجع قدرات حزب الله في لبنان على الاستمرار كمنتج للكبتاغون، تشير مصادر ميدانية إلى أن الحوثيين شرعوا في إنتاج المخدرات محلياً داخل اليمن، مستفيدين من الحدود الطويلة والهشة مع المملكة العربية السعودية، التي تتيح طرق تهريب واسعة، وغياب الدولة المركزية وضعف الرقابة الأمنية، ما يوفر بيئة خصبة لشبكات الجريمة المنظمة، إضافة إلى الطلب المرتفع في دول الخليج، والذي يمثل سوقاً مربحة ومستدامة().

تشير الأدلة الراهنة إلى أن اليمن أصبح في مسار التحول من مجرد طريق عبور للمخدرات إلى ساحة محتملة لإنتاج الكبتاغون وتصنيعه، وذلك في سياق الفراغ الذي خلّفه سقوط النظام السوري، ففي حين كانت سوريا   مركز الإنتاج الأكبر للكبتاغون في الشرق الأوسط، فقد بدأ نشاط مشابه يتشكل في اليمن، لا سيما في مناطق الصراع المسلح، بما يشير إلى تجاوب جماعة الحوثي مع الفرص الاقتصادية غير المشروعة التي يخلقها سوق المخدرات الدولي بعد انهيار الإنتاج السوري()

تتعدد المؤشرات العملية التي تدعم هذا التحول ومنها: قيام الأجهزة الأمنية اليمنية بضبط مختبرات وأعداد كبيرة من أقراص الكبتاغون داخل الأراضي اليمنية()، بما في ذلك تحديد مواقع يشتبه في استخدامها لتصنيع هذه المادة، وهو ما لوحظ ارتفاعه بشكل ملموس في عام 2025 مقارنة بالعام السابق، مع تسجيل زيادة في المضبوطات المرتبطة بذات المادة().

التحليلات الرسمية في اليمن تشير إلى أن جماعة الحوثي تستغل الاضطراب الأمني وغياب الرقابة الفعلية في أجزاء واسعة من البلاد، لتوسيع نشاطها في تجارة المخدرات الصناعية – لا سيما الكبتاغون والشبو – عبر شبكات معقدة تضم عناصر محلية وأخرى من جنسيات مختلفة، وهو ما يتسق مع تقارير حكومية عن مخطط يهدف إلى تحويل اليمن إلى مركز إقليمي لتصنيع وتوزيع هذه المواد، بمعدات ومهنيين دخلوا عبر منافذ تحت سيطرة الجماعة().

يتجاوز هذا التطور مجرد التجارة أو المرور، ليشمل أبعاداً سياسية وعسكرية، إذ تشير المصادر الرسمية إلى أن عوائد تجارة المخدرات تُستخدم في تمويل شراء السلاح، ودفع رواتب المقاتلين، وتعزيز القدرات التنظيمية والميدانية للجماعة، مما يؤكد ترابطاً مباشراً بين النشاط غير المشروع والأهداف الاستراتيجية للجماعة المسلحة في النزاع اليمني. وقد استُخدمت هذه العائدات لضمان استدامة القدرة القتالية والاقتصادية للجماعة داخل سياق الصراع الممتد، وهو ما ينعكس في سياسات التمويل والاعتماد على اقتصاد الظل بوصفه مكملاً لنشاطات أخرى كتهريب الأسلحة والسلع().

من منظور أمني واستراتيجي، يعكس هذا التحول نمطاً أوسع في كيفية تكيُّف الجماعات المسلحة مع الخيارات الاقتصادية غير المشروعة لتعويض فقدان مصادر تمويل تقليدية، بما في ذلك دعم الخارج أو السيطرة على موارد محلية شرعية، إن انتقال الكبتاغون من كونه منتجاً يُزرع فيه الجدال حول كيفية التوصل إلى مراكز إنتاج جديدة، إلى ساحة تظهر مؤشرات على توطين صناعات المخدرات داخل بيئة نزاع مسلح كثيفة، يمثل أحد أهم التحديات التي تواجه جهود مكافحة الجرائم المنظمة والعابرة للحدود في الشرق الأوسط()

محافظة صعدة وشبكات التهريب

تمثل محافظة صعدة شمال اليمن، المعقل الرئيس لجماعة الحوثي، نقطة محورية في مسارات تهريب المخدرات والحشيش إلى المملكة العربية السعودية، فعلى الرغم من التشديد الأمني والإجراءات الصارمة التي تفرضها الجماعة على دخول المواطنين والزائرين، والتي تشمل المرور عبر قيادات محلية وأجهزة شرطية والتفتيش في عشرات النقاط، إلا أن شبكات تهريب المخدرات تعمل بانسيابية عبر هذه المحافظة، مما يكشف عن ازدواجية خطيرة بين الخطاب العلني للجماعة بمكافحة المخدرات، وممارساتها الفعلية في إدارة هذه التجارة غير المشروعة().

تشكّل مناطق التهريب الحدودية في صعدة بؤراً للجريمة المنظمة تشمل شبكاتٍ لتهريب البشر، وإقامة مستوطناتٍ لعصابات أفريقية تحظى بحماية الحوثيين، هذه الظاهرة تمثل تهديداً مباشراً للأمن السعودي واليمني على حدٍ سواء، وتكشف عن ترابط واضح بين الاقتصاد غير المشروع والأنشطة المسلحة العابرة للحدود. 

تشير المؤشرات الراهنة إلى أن تجارة المخدرات في اليمن تطورت إلى مهنة رائجة يمارسها يمنيون وأفارقة في محافظات مثل صعدة وغيرها من مناطق النفوذ الحوثي، بالتواطؤ أو الإهمال من قِبل سلطات الجماعة التي تسعى إلى الاستفادة من هذه التجارة لتوليد موارد تمويلية للأنشطة العسكرية والسياسية ()

وفي خطوط التماس مع الحدود السعودية، تثبت البيانات أن هذه التجارة لا تمارس في الخفاء فقط بل تترجم إلى شحنات كبيرة ، ففي عام 2025 أعلنت السلطات السعودية عن إحباط مخطط لتهريب 1.6 طن من الحشيش كانت في طريقها من اليمن إلى داخل المملكة، وتم القبض على مهربين يشتبه بصلتهم بشبكات مرتبطة بالمليشيات الحوثية، مما يعكس خطوط اتصال بين تلك الشبكات والتهريب الدولي للمخدرات()

كما أظهرت مراقبة الأمن الحدودي بين اليمن والسعودية ضبط أكثر من 13,000 حبة كبتاغون في يونيو/يوليو 2025 كانت مصادرها مناطق تحت سيطرة الحوثيين عند محاولة تهريبها عبر نقطة الوديعة نحو الداخل السعودي، وقد جاء ذلك بعد إحباط محاولة تهريب أكثر من مليون حبة مخدرة في حادث منفصل أيضًا من منطقة ذات صلة بالحوثيين().

وبالإضافة إلى ذلك، كشفت بيانات رسمية سعودية عن إحباط محاولة تهريب 310,000 حبة من “الكبتاغون” عبر ميناء جدة الإسلامي، وقد تم اعتقال مجموعة من الأفراد المرتبطين بهذه الشبكات، مما يبرهن على أن السعودية تعد محطة حاسمة في مكافحة تهريب المخدرات القادمة عبر حدود البحر الأحمر والخليج العربي، ويعكس ذلك حجم التحديات الأمنية الإقليمية الناجمة عن الفوضى في اليمن()

تشير هذه الضبطيات المتكررة إلى أن تجارة المخدرات في اليمن قد تحولت إلى نشاط منظم وشبه مفتوح، يستفيد من ضعف مؤسسات الدولة وتفتت السلطة، وهو ما يسمح للجماعات المسلحة – وعلى رأسها جماعة الحوثي – بخلق شبكات معقدة للتهريب، والتوزيع، وربما التصنيع في بعض المناطق، كما تم تسجيل حالات توقيف شبكات كانت تحاول إقامة منشآت لتصنيع المخدرات في محافظة المهرة قبل أن تُفكك بواسطة الأجهزة الأمنية اليمنية التابعة للحكومة الشرعية، مما يؤشر إلى التوسع في البنية الاقتصادية غير المشروعة().

مسارات التهريب

تشير تقارير ميدانية إلى أن الشحنات تصل إلى اليمن وبطرق متعددة: المنافذ البحرية، عبر ميناء بندر عباس الإيراني، حيث يتم تفريغها في عرض البحر ونقلها بواسطة قوارب صيد يمنية()، وفي المنافذ البرية المسارات الحدودية، من صعدة الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي إلى السعودية عبر ثلاث مناطق رئيسية هي، آل ثابت، الرقو، القار، حيث تجمع الشحنات وتُنقل على ظهور ما يسمى بـ “العتّالين” سيراً على الأقدام عبر الجبال، بتسهيلات من شبكات محلية على الحدود().

في حين تعلن جماعة الحوثي بين الحين والآخر عن ضبط كميات ضخمة من المخدرات (123 طن من الحشيش بين 2015 و2020 وعن تنفيذ حملات توعوية، فإن الواقع الميداني يكشف أن عمليات “الإتلاف” المعلنة غالباً ما تشمل مواد ثانوية أو أدوية منتهية الصلاحية، بينما يعاد توزيع الشحنات المضبوطة ضمن شبكات أخرى خاضعة للجماعة().

يكشف واقع صعدة عن نموذج صارخ لازدواجية الخطاب الحوثي في ملف المخدرات، محاربة علنية وتسهيل سري، هذا الواقع يشكل تهديداً مباشراً للأمن الاجتماعي والاقتصادي في اليمن، ويمتد أثره إلى دول الجوار، وخاصة السعودية، ما يستدعي تدخلاً إقليمياً ودولياً أكثر صرامة لمواجهة هذه الشبكات الإجرامية.

ووثّقت تقارير محلية تورط قيادات أمنية رفيعة في جماعة الحوثي، بما في ذلك مدير مكافحة المخدرات في صعدة، في تسهيل مرور الشحنات إلى السعودية مقابل مبالغ مالية، كما أظهرت حالات اقتحام النيابات العامة لإطلاق سراح متورطين ينتمون للجماعة().

أدت العوائد المالية الضخمة في محافظة صعدة إلى بروز طبقة من الأثرياء الجدد، انعكس ذلك في توسع عمراني ملحوظ وارتفاع أسعار العقارات، فضلاً عن انتشار محلات الصرافة لغسيل الأموال بشكل غير مسبوق، وساهمت هذه التجارة في إغراق السعودية بكميات ضخمة من الحشيش، وأعلنت وزارة الداخلية السعودية عن إحباط تهريب أطنان من الحشيش وحبوب الكبتاغون عبر حدودها الجنوبية().

زراعة الحشيش والمخدرات

تظهر الممارسات الميدانية لجماعة الحوثي في المحافظات الشمالية اليمنية، وخصوصاً محافظتي الجوف وصعدة، أن الجماعة قامت بتحويل بعض الأراضي الزراعية إلى مرافق لإنتاج المخدرات، خاصة الحشيش، بهدف تمويل أنشطتها العسكرية. وفق شهادات أبناء القبائل المحلية، تعتمد الجماعة على شراء الأراضي من المواطنين، ثم نقل التربة إليها ورفع مستوياتها، قبل أن تقوم بتسويرها وتحصينها بشكل كامل، مع فرض حراسة مشددة تمنع السكان المحليين من الاقتراب منها أو مراقبتها.()

وتشير مصادر قبلية إلى أن الحوثيين شرعوا بزراعة المخدرات بأنواع متعددة في مناطق الجوف العالي والسفلي، ضمن خطة ممنهجة لتعظيم الدخل من هذه الأنشطة غير القانونية، وتفرض الميليشيات سلطة قمعية صارمة على المناطق الخاضعة لسيطرتها، بما يشمل منع المواطنين من الاقتراب أو التدخل في أنشطة الزراعة والتهريب.

تدار مزارع الحشيش تحت إشراف خبراء زراعة مجهولين الهوية والجنسية، ما يعكس درجة التنظيم والتخطيط العالي لدى الجماعة، وهو ما يشير إلى تورط خبرات خارجية متخصصة في عمليات الإنتاج والتصدير، ما يعكس أبعاداً جنائية دولية تتعلق بتمويل الميليشيات المسلحة عبر أنشطة غير مشروعة، وباتت مناطق سيطرة الحوثي مركزاً لتجارة المخدرات وتخدم كنقطة عبور لتهريبها إلى السعودية.

تبرز هذه الإجراءات نموذجاً ممنهجاً لتوليد اقتصاد حرب غير مشروع، يعتمد على السيطرة القسرية على الأراضي واستغلالها كأدوات للتمويل العسكري، بما يعكس استراتيجيات متقدمة لإدامة الصراع وتقويض سلطة الدولة، وتؤكد التقارير أن أحياء بأكملها في مناطق سيطرة الحوثي تحولت إلى بيئة آمنة لتجار المخدرات تحت حماية مشرفين حوثيين، ويتم تسهيل الإفراج عن المروجين عند اعتقالهم ().

المخدرات كسلاح لتفكيك المجتمع وأداة تحكّم  

تمثل المخدرات التي تنتشر في مناطق سيطرة جماعة الحوثي جريمة مركبة تُستخدم كأداة تمويل غير مشروع ووسيلة لتفكيك البنية الاجتماعية والنفسية للمجتمع اليمني، بما يشكل انتهاكاً للكرامة الإنسانية وللقانون الدولي الإنساني، وقد أسهم تفشي التعاطي والإتجار في تفكك الأسر، وارتفاع معدلات العنف الأسري وقتل الأقارب، وتآكل المنظومة القيمية، وهي ظواهر لم تكن مألوفة في المجتمع اليمني قبل انقلاب 2014م، كما تؤدي المخدرات إلى إعادة إنتاج الفقر والتجويع عبر استنزاف رأس المال البشري، وتراجع الإنتاجية، وانخراط الشباب في الاقتصاد الموازي، وتقليص الإنفاق العام على التعليم والصحة والأمن الغذائي، وتؤكد تقارير حقوقية تصاعد الجرائم الأسرية المنظمة في المحافظات الخاضعة للحوثيين، مع تسجيل نحو 300 جريمة قتل أقارب خلال الأعوام 2020–2022، في سياق يرتبط بانتشار المخدرات والتعبئة العنيفة ().   

المخدرات كأداة للسيطرة والتجنيد القسري للأطفال في اليمن

شهد اليمن منذ اندلاع النزاع المسلح انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، كان الأطفال أبرز ضحاياها، فقد تحولت الطفولة إلى إحدى الجبهات الأكثر استهدافاً من قبل ميليشيا الحوثي التي وظفت أدوات متعددة للسيطرة والتجنيد، من أبرزها المخدرات والمؤثرات العقلية، وبموجب تقارير محلية وأممية، فإن الحوثيين لم يكتفوا بتجنيد الأطفال قسرياً، بل لجأوا إلى إدخالهم في دائرة التعاطي القسري للمخدرات كوسيلة لإخضاعهم نفسياً وجسدياً، وتحويلهم إلى وقود لمعاركهم()، هذه الظاهرة تمثل جريمة مزدوجة، جريمة في حق الطفولة، وجريمة في حق المجتمع والدولة، وتمثل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ما يتناقض مع الالتزامات الدولية المصرح بها، بما في ذلك اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكول النزاعات المسلحة، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية().

دراسة حالة (الطفل أحمد) قصة طفل مدمن تم تجنيده للقتال بعد إدمان المخدرات.

من أبرز الأمثلة على ذلك، قصة الطفل (أحمد – اسم مستعار)()، البالغ من العمر ثلاثة عشر عاماً، كان طالباً في الصف السابع الأساسي بإحدى مدارس أمانة العاصمة صنعاء، وفق رواية أسرته للباحث، فقد جرى استقطابه من المدرسة بواسطة أحد المشرفين الحوثيين، ثم نُقل إلى منازل ومبانٍ حكومية تحت سيطرة الميليشيا، مثل منزل الرئيس السابق عبدربه منصور هادي ومبنى وزارة الخارجية بصنعاء، حيث عُقدت دورات طائفية مغلقة، خلال هذه الدورات، خضع أحمد لعمليات غسل دماغ ممنهجة، تضمنت تلقينه شعارات طائفية، وتعليمه كراهية المجتمع، والتدريب على السلاح وزراعة الألغام، الأخطر أن الأطفال الذين كان برفقتهم كانوا يُجبرون على شرب مشروبات غازية أُضيفت إليها حبوب مخدرة، ما جعلهم يدخلون في حالة من الإدمان القسري، هذه المواد كانت تمنحهم إحساساً مصطنعاً بالقوة والاندفاع، وتجعلهم أكثر قابلية للتوجيه نحو جبهات القتال.

عندما اكتشف والد أحمد حالته وحالة الاضطراب النفسي التي يعانيها، أدرك أن مصيره سيكون مأساوياً إذا استمر في قبضة الحوثيين، فقام بتهريبه إلى محافظة أخرى، ومع ذلك، لم يتعاف الطفل بسهولة؛ فقد ظل يعاني من اضطرابات نفسية حادة، وظل يردد شعارات الحوثيين (الصرخة) ويطالب بالعودة إليهم، في دلالة على مدى عمق تأثير المخدرات وغسل الدماغ، استمرت معاناته ستة أشهر كاملة داخل عزلة إجبارية فرضتها أسرته عليه لإنقاذه من الانهيار().

تبرز هذه القصة، وغيرها من الحالات المماثلة، مجموعة من الانتهاكات المتداخلة، التجنيد القسري للأطفال دون سن الثامنة عشرة، والتعاطي القسري للمخدرات والمؤثرات العقلية، بما يمثل جريمة اتجار وتعاطي غير مشروع، واستخدام الأطفال في الأعمال العدائية وزراعة الألغام وهي في حالة غير طبيعية نتيجة المخدرات والمؤثرات العقلية، ما يضاعف خطر وفاتهم أو إصابتهم، وتمتد خطورة هذه الانتهاكات إلى المجتمع بأكمله، وانتشار الإدمان بين فئة الأطفال سيخلف جيلاً يعاني من آثار صحية ونفسية عميقة، وفقدان الحق في التعليم، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الأمية والتخلف المجتمعي، وإعادة إنتاج العنف والطائفية، حيث يترسخ الفكر المتطرف لدى الأطفال المجندين، واستمرار هذه الانتهاكات ستؤدي إلى تقويض السلم الاجتماعي، إذ يتحول الأطفال من ضحايا إلى أدوات لنشر العنف داخل المجتمع.

تشير هذه الممارسات إلى أن ميليشيا الحوثي جعلت من المخدرات أداة مزدوجة، وسيلة تمويل اقتصادي من خلال الاتجار غير المشروع، ووسيلة حرب عبر إخضاع الأطفال قسرياً للإدمان وتجنيدهم، إن الجمع بين استغلال الطفولة وتوظيف المخدرات يشكل نموذجاً فريداً للجريمة المنظمة في زمن الحرب، ما يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً لضمان محاسبة المسؤولين وحماية الطفولة اليمنية، وسياسات حماية فعالة، وبرامج إعادة تأهيل وإدماج جاد لمعالجة هذه الأزمة.

تغييب الإرادة وكسر المقاومة بالمخدرات

تظهر خبرات النزاعات الممتدة أن الحرب تدار عبر أدوات أكثر خطورة تستهدف البنية الذهنية والنفسية للمجتمعات، وفي السياق اليمني، برزت المخدرات كوسيلة استراتيجية بيد جماعة الحوثي، ليس فقط كأداة تمويلية عبر شبكات التهريب، بل أيضاً كسلاح خفي لتغييب الوعي وكسر إرادة المقاومة المجتمعية، إن هذا الاستخدام للمخدرات يرقى إلى مستوى “السلاح الكيميائي غير المعلن”، حيث يحدث تآكلاً تدريجياً لقدرات المجتمع الدفاعية من الداخل.

استهداف التعليم والنخب

لم يقتصر الاستهداف على الأسر، بل امتد إلى طلاب المدارس والجامعات، حيث يتم ترويج مواد مخدرة مخلوطة بالمشروبات أو عبر شبكات تعمل في محيط المؤسسات التعليمية، النتيجة المباشرة لذلك هي ارتفاع نسب التسرب المدرسي وفقدان جيل كامل من المتعلمين، وانهيار المنظومة التعليمية، ويظل طلاب المدارس والجامعات في خطر محدق نتيجة انتشار الكبتاغون والشبو وحبوب المخدرات ومواد مخدرة مخلوطة بالمشروبات، وبيعها عبر أشخاص في محيط المدارس، وهم المستهدفون بشكل رئيسي لإلحاقهم بالمعارك واستخدامهم في الأعمال العسكرية. 

الأثر الإقليمي والدولي   

المشهد الإقليمي سجل الإقليم طفرة في المخدرات الصناعية ( الميثامفيتامين / الشبو والكبتاغون) مع شبكات نقل تمتد من سوريا والعراق نحو الجزيرة العربية والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهو ما توثقه خرائط وتقارير أممية حديثة، هذه المواد منخفضة كلفة التصنيع، عالية الهامش الربحي، وسهلة الإخفاء والشحن مقارنة بالمخدرات النباتية التقليدية. 

توظف الجماعات المسلحة عائدات الاتجار بالمخدرات في تمويل عملياتها، وتستفيد من خطوط بحرية عبر بحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر، حيث تتقاطع مسالك تهريب المخدرات مع مسالك السلاح والوقود، ما يسهل التمويل المتبادل وتبادل الشحنات و” التكافل اللوجستي” بين الشبكات”. 

تسهيل الجرائم العابرة للحدود 

أبرز عمليات الضبط النوعية لعام 2025م 

 في محافظة المهرة تم ضبط مصنع متكامل لصناعة الكبتاغون والشبو – ، أول مصنع يكتشف في اليمن، وضبط 599 كجم كوكايين نقي –داخل شحنة سكر قادمة من البرازيل()، وفي واقعة أخرى تم ضبط 646,290 حبة بريجابالين مخبأة داخل مركبة في مديرية دار سعد في محافظة عدن، وتعد من أكبر العمليات الأمنية ضد تهريب الحبوب المخدرة، ضبط 314 كجم شبو و25 كجم هيروين و108 كجم حشيش من سواحل لحج، بعد اشتباك مباشر مع المهربين في عرض البحر، كما تم ضبط 432 كجم شبو عبر البحر الأحمر، و28,500 قرص بريجابالين والكشف عن وكر تهريب في باب المندب، وضبط قارب محمل بـ150,000 حبة كبتاغون، كم قامت القوات اليمنية بإحباط تهريب 13,750 قرص كبتاجون في منفذ الوديعة داخل شاحنة من صنعاء، كانت في طريقها إلى السعودية. 

في تاريخ 12 يونيو 2025م، أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عن ضبط 1.5 مليون حبة كبتاغون كانت في طريقها إلى المملكة العربية السعودية عبر مناطق تخضع لسيطرة الحوثيين، وتشير التقديرات إلى أن أسعار الحبة الواحدة في السوق السعودي تتراوح بين 6 و27 دولاراً أمريكياً، ما يعكس حجم العوائد المحتملة لهذه التجارة غير المشروعة، كما تواصلت عمليات الضبط خلال شهر يوليو/ تموز من العام نفسه، حيث اعترضت السلطات اليمنية عشرات الآلاف من الحبوب في شحنات متعددة()

كشف قائد منفذ الوديعة العميد عمير العزب أن “كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة تمكنت خلال الفترة الأخيرة من إحباط كثير من محاولات التهريب المشابهة، أبرزها عمليات، ضبط أكثر من نصف طن من مادة الحشيش، و15 ألف قرص كبتاغون، و4 كيلوغرامات من مادة (الشبو) المخدرة، إلى جانب ضبط 27 ألفاً و300 قرص مخدر كانت مخفية داخل الباب الخلفي لحافلة نقل جماعي، و4 آلاف و198 قرص في مركبة أخرى”، وتلجأ شبكات التهريب إلى حيل وطرق مبتكرة لتمرير المواد المخدرة، من بينها إخفاؤها داخل فاكهة البطيخ، وفي أماكن خفية داخل المركبات، مثل الإطارات الاحتياطية، وتحت المقاعد الأمامية في صناديق مصنعة خصيصاً لهذا الغرض وغيرها من الحيل والطرق للتهريب، وفي فبراير (شباط) 2024م، عملية إتلاف أكثر من 3 أطنان من المخدرات المتنوعة، جرى ضبطها سابقاً في عملية منفصلة، وجرت عملية الإتلاف بحضور ممثلين عن الجهات المختصة من الجانبين اليمني والسعودي في المنفذ ذاته

ضبطت قوات الحملة الأمنية المشتركة في اليمن في يوم الأربعاء الموافق 10 سبتمبر 2025م، شحنة مخدرات في سواحل محافظة لحج، جنوبي البلاد، على متن قارب في سواحل مديرية المضاربة ورأس العارة، في عملية أمنية ضمن مهامها في مكافحة التهريب، وأن عملية الضبط تمت عقب “عملية رصد ومراقبة، وهو يحمل كميات كبيرة من مادتي الحشيش والهروين المخدرة”، وأن “قوات الحملة الأمنية قامت بالتنسيق مع النيابة الجزائية المتخصصة، التي حضرت للإشراف على عملية ضبط وتحريز شحنة المخدرات في ساحل رأس العارة، بمحافظة لحج () ، وضبطت المقاومة الوطنية اليمنية يوم الخميس 4 سبتمبر 2025م، شحنة مخدرات جديدة كانت في طريقها إلى الحوثيين، في مسار تهريب شهير للحوثيين في عرض البحر الأحمر، وقالت المقاومة الوطنية في بيان إن “دورية من القوة البحرية التابعة لها نفذت عملية اعتراضية ناجحة لجلبة مشبوهة كانت تبحر قرب الممر الملاحي الدولي”، مؤكدة “العثور على 31 طرداً بوزن إجمالي 432 كيلوجراماً من مادة الشبو المخدر”، وأن “الجلبة جرى قطرها إلى موقع آمن، حيث تمت مصادرة المواد المخدرة تمهيداً لإتلافها؛ فيما أحيل المهربون إلى الجهات المختصة للتحقيق ومعرفة الجهة التابعين لها”، واعترضت المقاومة الوطنية، منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 وحتى يوليو/ تموز 2025، في عرض البحر الأحمر وقرب باب المندب، نحو 16 شحنة متجهة إلى الحوثيين بين أسلحة ومخدرات وأسمدة وخلايا تهريب().

التوصيات 

إن مواجهة هذا النمط من الاقتصاد الأسود تتطلب مقاربة شاملة تشمل الإصلاح القانوني والمؤسسي، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجال مكافحة الجريمة المنظمة، إلى جانب برامج توعية وعلاج تستهدف الفئات الأكثر عرضة للإدمان والانخراط في شبكات الاتجار.

التوصيات القانونية

  1. إدراج تجارة المخدرات الحوثية في القوانين اليمنية والدولية كجريمة مزدوجة (تهريب وتمويل للإرهاب).
  2. الدفع نحو إدراج قيادات حوثية متورطة في شبكات المخدرات ضمن قوائم العقوبات الدولية بموجب قرارات مجلس الأمن، وربطها بجرائم الإرهاب والجريمة المنظمة، والملاحقة القضائية الدولية.
  3. مطالبة الأمم المتحدة والدول الأطراف في اتفاقيات مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة (1961، 1988، 2000) تفعيل الاتفاقيات الدولية، وتطبيق موادها عملياً على الحالة اليمنية.
  4. إنشاء لجنة تحقيق خاصة، ضمن مجلس حقوق الإنسان لتقصي الحقائق في ملف المخدرات والاقتصاد الأسود الحوثي كجريمة ضد الإنسانية.

التوصيات الحقوقية

  1. التوثيق المنهجي، عبر دعم منظمات المجتمع المدني اليمنية لإنشاء آلية رصد وطنية توثق كل الانتهاكات المرتبطة بالمخدرات (ضحايا الإدمان، الأطفال المجندين، مسارات التهريب).
  2. حماية الفئات المستهدفة، من خلال تنفيذ برامج طارئة لعلاج وتأهيل المدمنين، خصوصًا الأطفال والشباب، بما يضمن حقهم في الصحة والتعليم.
  3. رفع الوعي الحقوقي، وإدماج موضوع المخدرات في الحملات الحقوقية كجزء من خطاب الدفاع عن حقوق الإنسان.
  4. إشراك الضحايا، ومنح أسر ضحايا المخدرات والإدمان منصة حقوقية دولية لسماع شهاداتهم وتسليط الضوء على معاناتهم.

التوصيات الأمنية

  1. تأسيس مركز إقليمي لمكافحة تهريب المخدرات عبر البحر الأحمر وخليج عدن، يضم دول الجوار المتضررة، لتعزيز التعاون الإقليمي.
  2. بناء شبكة تعاون أمني بين اليمن والدول الخليجية لرصد مسارات التهريب، وفق آليات استخباراتية مشتركة، بما يشمل المراقبة البحرية والجوية والبرية.
  3. استهداف شبكات التهريب الحوثية عبر تجميد أرصدة ومصادرة أموال وأصول القيادات المتورطة وتجفيف الموارد.
  4. دعم تدريبي وتقني للشرطة اليمنية في المناطق المحررة على تقنيات مكافحة المخدرات والتحقيق المالي، وتقوية قدرات أجهزة إنفاذ القانون.

التوصيات المجتمعية

  1. إطلاق حملات توعية شاملة وبرامج وقاية وطنية، حول مخاطر المخدرات، تستهدف المدارس والجامعات والمساجد ومراكز الشباب.
  2. دعم وسائل الإعلام الوطنية وإشراك الإعلام في إنتاج برامج وثائقية وصحفية تفضح العلاقة بين الحوثيين والمخدرات، وتبني خطاباً وقائياً.
  3. إدخال موضوع مكافحة المخدرات في المناهج التعليمية، التعليم كخط دفاع، وربطه بمفاهيم حقوق الإنسان وحماية الصحة.
  4. إنشاء مراكز تأهيل وإعادة دمج الضحايا، إعادة دمج اجتماعي للمدمنين السابقين، لحمايتهم من الوقوع ضحايا للتجنيد الحوثي.

خاتمة

إن الاقتصاد الأسود للمليشيات، منظومة متكاملة تستمد قوتها من استمرار النزاع، تعمل على تحويل موارد المجتمع إلى وقود للحرب وأدوات لتدمير الدولة، وتفكيك هذه المنظومة يمثل ضرورة وطنية لحماية مستقبل اليمن، وواجباً دولياً لحماية الأمن والسلم الإقليمي والعالمي، وإذا لم توضع خطة وطنية يمنية واضحة، بدعم إقليمي ودولي حقيقي لمواجهة هذه الشبكات، فإن اليمن سيتحول خلال سنوات قليلة إلى دولة مخدرات مصغرة، كما أن بناء جهاز أمني محترف لمكافحة التهريب وتفعيل العقوبات والتتبع المالي وتعزيز التعاون مع الأجهزة الخليجية والدولية، بات ضرورة وجودية، وكلما نجحت الحكومة الشرعية في تأسيس منظومة ردع فعالة، كلما عززت مكانتها دولياً وقدمت نفسها كحليف موثوق في الحرب ضد المخدرات.


ظهرت المقالة الاقتصاد الأسود للحوثيين المخدرات كأداة تمويل وتفكيك للمجتمع أولاً على المخا للدراسات الاستراتيجية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية