عربي
دمر القصف الباكستاني ثلاثة أسواق لقطع غيار السيارات قرب معبر طورخم الحدودي في شرق أفغانستان، ما ألحق خسائر كبيرة بمئات التجار بعد احتراق نحو 550 محلاً تجارياً، في أحدث تداعيات التصعيد العسكري بين باكستان وأفغانستان الذي اندلع في 26 فبراير/شباط الماضي. ويقول تجار ومسؤولون محليون إن الحرائق التي اندلعت في الأسواق بعد القصف الصاروخي والجوي التهمت خلال ساعات مئات المحال التجارية، وحولت المنطقة التجارية الرئيسية قرب الحدود إلى ركام، تاركة نحو 500 تاجر بلا رأس مال أو مصدر دخل. وتأتي هذه الخسائر في ظل تصاعد المواجهات العسكرية بين البلدين على طول الحدود المشتركة، بعدما نفذت قوات طالبان عمليات انتقامية رداً على قصف جوي باكستاني استهدف منازل مدنية في 23 فبراير/ شباط، وأسفر عن مقتل أكثر من 23 مدنيا.
أسواق كاملة تحولت إلى ركام
وكانت الأسواق الثلاثة قرب منفذ طورخم تعد مركزاً رئيسياً لتجارة مستلزمات السيارات، بما في ذلك قطع الغيار والإطارات والمواد المرتبطة بها. لكن القصف الصاروخي المتواصل أدى إلى اندلاع حرائق واسعة، خصوصاً بعد سقوط القذائف داخل محال الإطارات والمواد القابلة للاشتعال. ويقول التاجر الأفغاني خان وزير محمدي، الذي كان يمتلك ثلاثة محال لبيع مستلزمات السيارات، إن القصف دمر حصيلة سنوات طويلة من العمل. ويضيف في حديثه لـ"العربي الجديد": "أعمل في هذا السوق منذ عام 1995. بدأنا بتجارة صغيرة قبل إنشاء الأسواق الحالية، ثم توسع العمل تدريجيا حتى أصبح رأس مالنا يقارب عشرة ملايين أفغانية (نحو 140 ألف دولار). لكن القصف الباكستاني أحرق كل شيء في ليلة واحدة. الآن أنا واقف على ركام عملي، هو في الأصل ركام حياتي، ركام آمالي، لقد دمر كل شيء، ذهب كل ما كسبناه".
ويروي محمدي تفاصيل ليلة الحريق قائلاً إن التجار غادروا السوق مساء السابع من مارس/آذار إلى منازلهم كالمعتاد، إذ كانت الاشتباكات تدور بعيداً نسبياً عن الأسواق التي تضم نحو 550 محلاً تجارياً. لكن عند وقت السحور تلقى اتصالاً من أحد حراس السوق، ويسمى بسوق لغماني، يخبره بأن الصواريخ سقطت على المنطقة وأن المحال التجارية تحترق. ويقول: "وصلنا إلى السوق وحاولنا مع فرق الإطفاء إخماد الحريق، لكن النيران كانت تنتشر بسرعة بسبب وجود الإطارات والبنزين داخل المحال. واستمرت الحرائق حتى تحولت الأسواق الثلاثة بالكامل إلى ركام".
نحو 500 تاجر بلا مصدر رزق
ويؤكد التاجر الأفغاني سفير الله شاكر أن عدد المتضررين من القصف يقترب من 500 تاجر كانوا يعتمدون على تلك الأسواق كمصدر رئيسي للدخل. ويقول لـ"العربي الجديد" إن كثيراً من هؤلاء التجار يعملون في المنطقة منذ سنوات طويلة، ما يعني أن الخسائر لا تقتصر على المحال التجارية فقط، بل تشمل رؤوس أموال تراكمت عبر عقود. ويضيف: "كان الهدف فقط إلحاق ضرر بهؤلاء التجار، في حين أنه لم يكن هناك أي نوع من المنشآت العسكرية أو الجنود بالقرب من تلك الأسواق، هي فقط أسواق ولكن كان الهدف إلحاق الضرر بالتجار وتدمير تلك الأسواق. ولعل الهدف خلق حالة من الإرباك في صفوف التجار علهم يقفوا في وجه الحكومة".
ويوضح شاكر أن تداعيات الدمار لم تطل التجار وحدهم، بل امتدت إلى مئات العمال الذين كانوا يعملون يومياً في تلك الأسواق، إضافة إلى عشرات الأنشطة المرتبطة بها، مثل النقل والخدمات اللوجستية. مؤكداً أن ما جرى ــ بحسب رأيه ــ يشير إلى أن استهداف الأسواق كان مقصوداً، وأن القصف جاء بشكل ممنهج. ومن جانبه، يقول التاجر سيف الملوك، الذي يمثل مجموعة من التجار المتضررين، إن خسارة الأسواق تركت مئات العائلات بلا مصدر دخل. ويضيف لـ"العربي الجديد": "بقينا بلا عمل وبلا رأس مال. لذلك نطالب الحكومة بمساعدتنا مالياً حتى نتمكن من استئناف العمل من جديد". ويشير إلى أن نظام العمل في تلك الأسواق كان يعتمد على شراء مستلزمات السيارات بالدين من الموردين الذين يقومون باستيراد البضائع أسبوعياً، ما يعني أن كثيراً من التجار باتوا الآن مطالبين بسداد التزامات مالية كبيرة رغم خسارة بضائعهم بالكامل.
كما يطالب التجار الحكومة بتخصيص موقع جديد لبناء أسواق بديلة بعيداً عن المناطق الحدودية قليلاً، التي أصبحت عرضة للمخاطر الأمنية مع استمرار التوتر العسكري. وكانت السلطات المحلية في ولاية ننغرهار، حيث يقع منفذ طورخم والأسواق المتضررة، قد قالت إنها شكلت لجنة لتقييم حجم الخسائر التي لحقت بالتجار. وقالت الحكومة المحلية في بيان صدر في 11 مارس/ آذار الجاري إن اللجنة تعمل بالتنسيق مع التجار لإحصاء الأضرار تمهيداً لتقديم تعويضات مالية تساعدهم على استئناف أعمالهم.
وفي السياق ذاته، قال وزير الخارجية الأفغاني المولوي أمير خان متقي إنه أثار قضية تدمير الأسواق خلال لقاء مع نظيره الباكستاني إسحق دار.
وأوضح متقي في حديث لوسائل الإعلام في كابول في 13 مارس/ آذار أن الجانب الأفغاني طرح أيضا قضية تدمير سوق السيارات قرب منفذ سبين بولدك في ولاية قندهار، الذي تعرض للقصف خلال المواجهات في أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي. وأضاف أن الوزير الباكستاني اعتبر القضية غير سياسية ولا تستدعي النقاش، وهو ما أثار استياء الجانب الأفغاني. وختم متقي بالقول إن استهداف الأسواق وإلحاق الضرر بالتجار يمثل قضية أساسية بالنسبة لأفغانستان، لكن الجانب الباكستاني ـ بحسب قوله ـ لا يبدي اهتماماً بمناقشة هذه المسألة.
