عربي
يجتمع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، اليوم الاثنين، في بروكسل لمناقشة تداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط والحرب المتصاعدة مع إيران، في وقت أصبحت فيه أزمة الملاحة في مضيق هرمز محوراً رئيسياً للنقاش الأوروبي. ويأتي الاجتماع في ظل اضطرابات متزايدة في أسواق الطاقة العالمية، بعدما أدى التصعيد العسكري إلى تعطيل جزئي لحركة السفن في المضيق الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. وقد تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، وهو مستوى لم يُسجَّل منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. وسط هذه التطورات، تحاول أوروبا إيجاد توازن صعب بين حماية طرق التجارة العالمية وتجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية أوسع في الشرق الأوسط.
قبيل الاجتماع، حذّرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس من أن إغلاق مضيق هرمز قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية تتجاوز قطاع الطاقة. وقالت كالاس إن المضيق لا يمثل شرياناً حيوياً لنقل النفط فحسب، بل يشكل أيضاً ممراً مهماً لتجارة المواد الخام الزراعية، خصوصاً الأسمدة، مضيفة: "إن إغلاق مضيق هرمز يشكل خطراً حقيقياً على إمدادات النفط والأسمدة".
وذكرت أن أي اضطراب كبير في سوق الأسمدة قد ينعكس لاحقاً على الأمن الغذائي العالمي، قائلة: "إذا حدث نقص في الأسمدة هذا العام، فسنشهد نقصاً في الغذاء العام المقبل". ودفعت هذه المخاوف الاتحاد الأوروبي إلى دراسة خيارات عملية للحفاظ على حركة الملاحة، في وقت يتزايد فيه الضغط الدولي لإعادة فتح المضيق.
وأحد أبرز الخيارات المطروحة يتمثل في توسيع نطاق مهمة "أسبيدس"، وهي العملية البحرية التي أطلقها الاتحاد الأوروبي عام 2024 في البحر الأحمر لحماية السفن التجارية من الهجمات. وأوضحت كالاس أن وزراء الخارجية سيناقشون إمكانية تعديل نطاق هذه المهمة، قائلة: "سنبحث إمكانية تغيير نطاق مهمة أسبيدس لمعرفة ما إذا كانت دول الاتحاد الأوروبي ترغب فعلاً في استخدامها". وقد أُنشئت العملية في الأصل رداً على الهجمات التي استهدفت الملاحة الدولية في البحر الأحمر، لكنها تمتلك أيضاً صلاحية العمل في مضيق هرمز. لكن المشكلة تكمن في طبيعة التفويض الحالي للمهمة.
تفويض محدود... ونقاش حول تغييره
وفقاً لمسؤول أوروبي مطلع على تفاصيل العملية تحدث للصحافة الأوروبية، فإن مهمة "أسبيدس" تعمل حالياً بموجب تفويض غير تنفيذي. وهذا يعني أن السفن المشاركة في المهمة يمكنها مراقبة الوضع وتأمين الملاحة، لكنها لا تملك صلاحية التدخل العسكري المباشر لحماية السفن. غير أن قطاع النقل البحري وشركات الشحن الدولية تضغط حالياً من أجل توسيع التفويض. ويقول هذا المسؤول الأوروبي إن كثيراً من العاملين في قطاع الشحن يطالبون بمنح المهمة تفويضاً تنفيذياً يسمح لها بحماية السفن الأوروبية التي تنقل النفط أو الأسمدة عبر مضيق هرمز. ومثل هذا التغيير قد يسمح للسفن الأوروبية بمرافقة ناقلات النفط أو التدخل في حال تعرضها لتهديد.
وتأتي هذه المناقشات في وقت أعلنت فيه إيران أنها قد تغلق المضيق رداً على الهجمات الأميركية والإسرائيلية على أراضيها. ومنذ صدور هذه التهديدات، تعرضت عدة سفن لهجمات في المنطقة، ما زاد المخاوف من تصعيد قد يؤدي إلى تعطيل كامل لحركة الملاحة في المضيق. دفع هذا الوضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الضغط على حلفائه، مطالباً دولاً مثل بريطانيا وفرنسا والصين واليابان بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية حركة النفط عبر المضيق. لكن الاستجابة الأوروبية والدولية لهذا الطلب جاءت محدودة وفاترة حتى الآن، إذ يبدي الاتحاد الأوروبي حذراً من الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران أو الانخراط في حرب أوسع في المنطقة.
مقترح فرنسي لعملية بحرية جديدة
في خضم هذه النقاشات، أبدت فرنسا استعدادها لإطلاق عملية بحرية دفاعية جديدة بالتعاون مع مجموعة من الدول الراغبة. وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الهدف من مثل هذه العملية سيكون حماية السفن وناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز وضمان استمرار تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية. لكن مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس ترى أن استخدام المهمة الأوروبية الحالية قد يكون أكثر فعالية من إنشاء عملية جديدة. وقالت كالاس: "إذا أردنا الأمن في المنطقة، فسيكون من الأسهل استخدام مهمتنا الحالية هناك، وربما تعديلها".
وتكشف النقاشات داخل الاتحاد الأوروبي عن معادلة معقدة. فالدول الأوروبية تدرك أن استقرار الملاحة في مضيق هرمز أمر حيوي للاقتصاد العالمي، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب الانجرار إلى حرب مباشرة مع إيران. كما تسعى العواصم الأوروبية إلى الحفاظ على توازن دقيق بين دعم الولايات المتحدة في حماية طرق التجارة العالمية وتجنب توسيع الصراع في الشرق الأوسط.
وفي ظل هذه الحسابات المعقدة، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يدرس خياراً وسطاً يتمثل في تعزيز الدور البحري الأوروبي لحماية الملاحة من دون الانخراط مباشرة في العمليات القتالية. لكن القرار النهائي سيعتمد على مدى استعداد الدول الأعضاء لتحمل المخاطر العسكرية والسياسية لمثل هذه المهمة، في وقت تبدو فيه المنطقة على حافة تصعيد جديد قد تكون له تداعيات عالمية واسعة.
