عربي
طالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب حلفاءه بالمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية. لكن حتى في حال تمكنت واشنطن من تشكيل تحالف واسع لهذه المهمة، فقد يبقى خيار إنهاء إغلاق الممر البحري مهمة شديدة التعقيد. فإيران، التي تسيطر جغرافياً على أحد جانبي المضيق، أخذت إجراءات عسكرية مشددة جعلت الممر غير آمن لناقلات النفط والغاز العملاقة التي تعبره يومياً، في خطوة تهدف إلى الضغط على الولايات المتحدة الأميركية.
لماذا أوقفت إيران الملاحة في المضيق الآن؟
حينما حذر قائد في الحرس الثوري الإيراني عام 2011 من أن وقف حركة الملاحة في مضيق هرمز سيكون "أسهل من شرب كأس ماء"، كانت التهديدات بشأن المضيق قد تكررت مراراً. وفي السنوات اللاحقة، واصل الحرس الثوري التحذير من إمكان إغلاق المضيق، بما في ذلك خلال التوترات المتعلقة بالعقوبات والبرنامج النووي الإيراني في عامي 2016 و2018 وأثناء الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران في يونيو/ حزيران من العام الماضي.
ولطالما اعتبر المحللون إغلاق المضيق خياراً أخيراً بسبب التغيرات الاستراتيجية بعيدة الأمد التي قد يدفع ذلك أعداء إيران إلى اتخاذها، وكذلك بسبب احتمال استهداف قطاع الطاقة الإيراني نفسه رداً على هذه الخطوة. لكن هذه المعادلة تغيرت بعد الحرب على إيران في 28 فبراير/ شباط والذي اغتالت فيه واشنطن وتل أبيب المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، وضربت العديد من المنشآت المدنية، إذا باتت إيران تعتبر هذه الحرب حرباً وجودية.
ما المعرض للخطر؟
مضيق هرمز الفاصل بين إيران وعُمان هو المخرج البحري الوحيد للدول المنتجة للنفط والغاز مثل الكويت وإيران والعراق وقطر والإمارات. وارتفعت أسعار النفط لفترة وجيزة إلى أعلى مستوياتها منذ 2022 يوم الاثنين الماضي. وتقول الأمم المتحدة إن زيادة أسعار الخام قد تؤدي إلى أزمة أخرى في تكاليف المعيشة مثل ما حدث بعد غزو روسيا أوكرانيا في 2022. ويمكن أن يتسبب الصراع المطول أيضاً في أزمة في سوق الأسمدة، ما يعرض الأمن الغذائي العالمي للخطر. وتشير شركة كبلر للتحليلات إلى أن نحو 33% من الأسمدة في العالم، منها الكبريت والأمونيا، تمر عبر المضيق. وربما يؤجج استمرار الحرب المخاوف من أزمة اقتصادية عالمية مثل التي أعقبت صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي.
لماذا يصعب تأمين مضيق هرمز؟
تشير شركة الوساطة البحرية "إس إس واي غلوبال" إلى أن ممرات الشحن داخل المضيق يبلغ عرضها ميلين بحريين فقط، ويجب على السفن أن تستدير قبالة جزر إيرانية وساحل جبلي يوفر غطاء للقوات الإيرانية. وقال توم شارب، القائد السابق في البحرية الملكية البريطانية، إن البحرية الإيرانية دُمرت إلى حد كبير، لكن الحرس الثوري لا يزال يمتلك كثيراً من الأسلحة في ترسانته، بما في ذلك زوارق هجومية سريعة وغواصات صغيرة وألغام بحرية ودراجات مائية (جيت سكي) محملة بالمتفجرات. ويشير مركز "إنفورميشن ريزيليانس"، وهو مجموعة بحثية غير ربحية، إلى أن طهران لديها القدرة على إنتاج نحو 10 آلاف طائرة مسيّرة شهرياً.
وذكر شارب أن مرافقة ثلاث أو أربع سفن يومياً عبر المضيق أمر ممكن في الأمد القصير باستخدام سبع أو ثماني مدمرات توفر غطاء جوياً، وسيعتمد ذلك على ما إذا كان الخطر من الغواصات الصغيرة قد انحسر، لكن القيام بذلك على نحو مستدام عدة أشهر سيتطلب موارد أكثر. وقال عادل بكوان، مدير المعهد الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إنه حتى إذا دُمّرت قدرة إيران على نشر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والألغام البحرية، فستظل السفن تواجه خطر العمليات. وذكر كيفن رولاندز، رئيس تحرير دورية المعهد الملكي للخدمات المتحدة، أن الحرب إذا استمرت أسابيع، فسيُوفَّر نوع من الحراسة. وأضاف "يحتاج العالم إلى تدفق النفط من الخليج، لذلك هناك خطط جارية لوضع تدابير حماية".
ماذا تقول إيران بشأن إغلاق مضيق هرمز؟
تقول إيران إن مضيق هرمز ليس مغلقاً بالكامل أمام الملاحة، بل إنه مغلق فقط أمام سفن وناقلات نفط أميركا وحلفائها. وأوضح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة مع "العربي الجديد"، أن المضيق "مفتوح أمام الآخرين"، مشيراً إلى أن بعض السفن وناقلات النفط تمتنع عن العبور بإرادتها بسبب المخاوف الأمنية، وليس نتيجة منع مباشر من جانب طهران.
وأضاف عراقجي أن سفناً وناقلات نفط لا تزال تعبر المضيق يومياً، مؤكداً أن هذه السياسة ستستمر طالما تواصلت الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران.
ماذا يريد ترامب؟
قال ترامب يوم الأحد إنه يتوقع أن ترسل دول عديدة سفناً حربية وطالبها بذلك، مضيفاً أن إدارته على اتصال بسبع دول بشأن تقديم المساعدة. وجاءت هذه الخطوة بعد أسبوع من إصداره أمراً لمؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية لتوفير خدمات تأمينية وضمانات لشركات الشحن. وبحث رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع ترامب ضرورة إعادة فتح المضيق، وقال في وقت سابق إن لندن تعمل مع الحلفاء على مجموعة من الخيارات للتعامل مع الوضع.
مواقف الدول من دعوة ترامب إلى تأمين مضيق هرمز
تباينت مواقف الدول تجاه دعوة ترامب إلى إرسال قوات أو سفن حربية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة فيه. فقد أعلنت اليابان وأستراليا بوضوح أنهما لا تعتزمان إرسال سفن حربية إلى المنطقة في الوقت الحالي. أما كوريا الجنوبية، فأشارت إلى أنها ستتواصل مع الولايات المتحدة قبل اتخاذ قرار، مع التأكيد أن أي نشر لقوات في الخارج يتطلب موافقة البرلمان.
في المقابل، أعلنت بريطانيا أنها تعمل مع حلفائها لوضع خطة جماعية لإعادة فتح المضيق من دون الانخراط في حرب أوسع في المنطقة، فيما تدرس خيارات تقنية مثل إرسال طائرات مسيّرة وأنظمة كشف الألغام. أما الاتحاد الأوروبي، فيناقش دعم بعثته البحرية الحالية في المنطقة، لكنه لا يتجه حالياً إلى توسيع مهامها لتشمل مضيق هرمز. وأبدت ألمانيا تشككاً واضحاً في جدوى إرسال قوات بحرية أو إشراك حلف شمال الأطلسي في المهمة، بينما دعت إلى فرض عقوبات على المسؤولين عن إغلاق المضيق. من جهتها، أبدت الدنمارك انفتاحاً على مناقشة سبل المساهمة في حماية الملاحة، في حين أكدت اليونان أنها لن تشارك في عمليات عسكرية في المضيق وستكتفي بالمشاركة في المهمة البحرية الأوروبية في البحر الأحمر.
ماذا حدث في نقاط المرور البحري الأخرى في المنطقة؟
أوقفت جماعة أنصار الله في اليمن (الحوثيون)، التي تمتلك ترسانة عسكرية أصغر بكثير من إيران، معظم حركة المرور عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب أكثر من عامين على الرغم من الجهود البحرية الأميركية والأوروبية. ولا تزال معظم شركات الشحن تستخدم طريقاً أطول بكثير عبر الطرف الجنوبي لأفريقيا. وقالت شركة الشحن الدنماركية ميرسك إنها ستبدأ في العودة تدريجياً إلى قناة السويس اعتباراً من يناير/ كانون الثاني.
هل توجد بدائل لاستخدام المضيق؟
سعت الإمارات والسعودية إلى اكتشاف طرق لتجاوز المضيق من خلال بناء مزيد من أنابيب النفط. لكن خطوط الأنابيب ليست قيد التشغيل حالياً، وأظهر هجوم الحوثيين على خط أنابيب سعودي يربط بين الشرق والغرب في 2019 أن هذه البدائل معرضة للخطر أيضاً.
(رويترز، العربي الجديد)
