"مولانا"... دراما تُكتب لمنصات التواصل الاجتماعي
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يخلق صُنّاع المسلسلات السورية في كل موسم رمضاني حالة لافتة في صناعة النص التلفزيوني، إذ يُلاحظ أن بعض المشاهد بات يُكتب منذ البداية على أساس أنه سيخلق "ترند" عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بما يساهم في زيادة انتشار المسلسل أو رفع نسب متابعته. ليس من الخطأ أن يفكر الكاتب في الطريقة التي سيتفاعل بها الجمهور مع عمله، لكن المشكلة تبدأ حين يُكتب المشهد أساساً بوصفه مادة قابلة للاجتزاء وإعادة التداول على شكل مقطع قصير، سواء من باب التأثر أو الطرفة. في الموسم الرمضاني الحالي، يبدو مسلسل "مولانا"، من بطولة تيم حسن وإخراج سامر البرقاوي، الأكثر اهتماماً بهذا الجانب، ولا سيما من خلال مشاهد تبدو مقحمة أو معدّلة بهدف خلق حالة ترند. يبدأ ذلك منذ المشهد الأول لتعريف الشخصية بالعاهة التي تعاني منها، وهي مشكلة نطق حرف الجيم وتحويله إلى زاي. وتصبح الجملة المتكررة التي يشرح بها البطل هذه المشكلة لبقية الشخصيات (زدي ستي، رايح زاي...) بمثابة الترند الذي تقوم عليه الشخصية، أكثر مما هي تفصيل درامي يخدم تطور الحكاية. يظهر الأمر نفسه في مشاهد أخرى لا تبدو من جنس العمل ولا منطقية في سياق الحكاية، مثل المشهد الذي يقلّد فيه تيم حسن الرئيس السوري السابق بشار الأسد، أمام شخصية يفترض أنها دموية في العمل، مثل العقيد كفاح الذي يؤدي دوره فارس الحلو. فبحسب منطق الحكاية التي تدور في زمن حكم الأسد، فإن أي شخص كان سيفكر ألف مرة قبل الإقدام على تقليد رئيس الدولة أمام ضابط بهذا المستوى، فما بالك أن تكون العلاقة بين الشخصيتين قائمة على التوتر والصراع؟ كان من المفترض، وفق هذا المنطق، أن ينتهي المشهد باعتقال مولانا بتهمة الإساءة إلى رأس هرم الدولة، أو ما كان يُعرف آنذاك بـ"الإساءة لمقام الرئاسة". لكن منطق الحكاية يبدو هنا في مهب الريح عندما يُكتب المشهد أساساً بوصفه مادة قابلة للانتشار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما يظهر في الحلقة الثامنة عشرة من العمل. إن كتابة مشهد أو مجموعة مشاهد بهدف تحويلها إلى "ريلز" تُفقد الحكاية جوهرها، وتخرج الممثل من دائرة الأداء التمثيلي إلى دائرة صناعة المحتوى المخصص للمنصات الرقمية. يصبح الممثل هنا كأنه يؤدي المشهد ليكون مقطعاً قصيراً قابلاً للتداول، وليس جزءاً من حكاية تعيشها مجموعة من الشخصيات في طريقها إلى نهاية ما. ويكشف مسلسل "مولانا" تحديداً عن معضلة درامية أخرى تتعلق بمصير البطل. فالوصول إلى نهاية "سعيدة" للشخصية يبدو مستحيلاً من دون الاستفادة من حدث سقوط النظام، الذي سيمكن جابر (تيم حسن) من العودة إلى هويته الأصلية والتخلي عن شخصية سليم العادل. ذلك أن جريمته في بداية الحكاية، قتل أحد "الشبيحة"، يمكن أن تتحول في مرحلة ما بعد سقوط الأسد إلى جريمة ذات طابع سياسي لا يُحاسَب عليها القانون، أو ربما يجد البطل فرصة لمغادرة البلاد مستفيداً من الفراغ الأمني الذي رافق الأيام الأولى لسقوط النظام. من دون هذا التحول السياسي الكبير، يصعب تخيّل نهاية قادرة على إرضاء الجمهور. يمكن القول، في النهاية، إن فكرة العمل نفسها تبدو قائمة على ترند أكبر هو "دراما ما بعد سقوط النظام". هنا، يبرز السؤال: إلى أي مدى يمكن لمثل هذا العمل أن يحافظ على حضوره في عرض ثانٍ؟ وهل تستطيع الأعمال القائمة على التأثير الآني، المرتبط بلحظة سياسية أو رقمية محددة، أن تعيش في ذاكرة المشاهد مثل الأعمال التي يعود الجمهور نفسه لمشاهدتها مرة بعد أخرى؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية