ما زال للثورة في سورية بقية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تمرّ ذكرى انطلاق ثورة الشعب السوري (2011)، ثورة الحرية والكرامة، التي خاض فيها الشعب كفاحاً متواصلاً لم ينقطع 14 عاماً، أدّت في نهاية المطاف إلى كنس نظام الاستبداد المشرقي الطغياني الأسدي، الذي كان مدعوماً خارجياً من إيران وروسيا التي تدخّلت قواتها في سورية، في نهاية سبتمبر/ أيلول 2015. يحتفي معظم السوريين بالمناسبة العزيزة على قلوبهم انطلاقاً من تضحياتهم الكُبرى التي قدّموها على مذبح الحرية والعدالة والمساواة، فتخطّى عدد الضحايا السوريين من الشهداء عتبة المليون شهيد، خلال 14 عاماً ونيّف من عمر الثورة، وقد أُنجز كثيرٌ رغم حجم التضحيات الأكبر. بنسبة خراب البنية التحتية في سورية 65%، يحتاج إعمارها، بحسب تقديرات أممية، إلى ما يزيد على 600 مليار دولار بعد هذه الفترة، وبالرغم من أن أصواتاً تقول إن عصر الثورة في سورية قد انتهى، وإن المرحلة الآنية باتت (ولا بدّ أن تكون) مرحلة البناء الحقيقي، ومن ثم الدخول في عملية إعادة إعمار سورية المهدّمة، إذ تجاوزت بنسبة خراب وتهديم بنيتها التحتية 65%، وهي نسبة كبيرة تحتاج (حسب تقديرات أممية) إلى ما يزيد على 600 مليار دولار في أقلّ تقدير. ويبدو أن عملية البناء وتأمين الخدمات المفتقَدة التي تحتاج إليها سورية من أجل عودة ملايين السوريين المهجّرين قسراً الذين فرّوا من الدمار والقتل والاعتقال التعسفي التي عاشوها زمن المستبدّ بشّار الأسد، وحكم نظام حزب البعث العربي الاشتراكي، والأدوات الأمنية التي اعتمدها نظام الأسد لضبط المجتمع، وكمّ الأفواه، ونهب خيرات الوطن السوري وموارده، وكذلك إلغاء السياسة من المجتمع السوري بكلّيته، فلا سياسة إلا سياسة التطبيل والتأييد والانسحاق والاستلاب الفكري، والوصول إلى حالة الإنسان السوري المقهور. لكن السؤال الذي ما زال قائماً، وما زال يلهج به سوريون كثيرون: هل حقّقت الثورة أهدافها وغاياتها؟ وهل تمكّن الشعب من تحقيق ما كان يصبو إليه، من بناء دولة المواطنة التي كانت غائبة أكثر من 54 عاماً من حكم آل الأسد؟ وهل تسير سورية منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، يوم إسقاط نظام بشّار الأسد، بخطوات واثقة ومتينة نحو البناء الحقيقي المطلوب وطنياً وشعبياً؟ هناك أسئلة كثيرة (وعديدة) تحتاج إلى الإجابة بوضوح وصراحة، فما برح الشعب السوري يعاني كثيراً من حالات نقص العدالة، وغياب الفعل الحقيقي المطلوب، وضياع البوصلة في بعض اللحظات ضمن سياقات العمل الوطني السوري الصعب الذي ما زالت تعتريه معوقات كثيرة، وإمكانات قليلة، وغياب التفكير الجدّي في السياسات الداخلية من أجل مواكبة حالة العوز والفقر المنتشرة التي وصلت سورية إليها مع نهاية حكم بشّار الأسد، إذ وصلت سورية في حينها إلى نموذج الدولة الفاشلة اقتصادياً، فباتت نسبة الفقر في سورية تتخطّى 90%، وهو وضعٌ صعبٌ للغاية، وصل فيه متوسّط دخل الفرد إلى أقلّ من مائة دولار للأسرة الواحدة، وهذا موضوع مقلق ويحتاج إلى اهتمام وجهدٍ كثيرين، ولا يبدو أن الجهود المبذولة تفي بالغرض، أو أن السياسات الاقتصادية الجديدة التي تعتمد على سياسة السوق الحرّ توافق الحالة السورية المهترئة، الخارجة من حرب ضروس خرّبت كلّ شيء، وتسبّبت، بالضرورة، في هجرة الكفاءات والكوادر المهمّة، وأيضاً القسم الكبير من الموارد البشرية، إلى الخارج. وليس وارداً (كما يبدو) أن هذا الخارج الغربي أو الشرقي معنيّ كثيراً بموضوع إعادة إعمار سورية في القريب العاجل. علاوة على ذلك، حجم المهام الملقاة على عاتق الدولة السورية الجديدة كبير ومرير، ويحتاج امتلاك فكر حداثي، كما يحتاج لإمكانات كبيرة مالية وتقنية، ولا يتمظهر في السطح وجودها الحقيقي، في وقت باتت فيه الدولة الجديدة تعتمد على مسألة الولاء أكثر ممّا تعتمد على موضوع الكفاءة، وهذه إشكالية كبرى، ما زالت تجعل كثيرين في الخارج والداخل ينتظرون دورهم في عملية البناء، من أصحاب فكرة "من يحرّر يقرر"، كي يكون لهم فاعلية جدّية في إعادة رسم ملامح وطن كان قد خرج من مساحات الموت. كما أن الانفتاح في الوضع الداخلي في سورية ومسألة الديمقراطية ما زالا غائبَين وغير ناجزَين، ولا مؤشّرات بعد إلى انتهاجهما برنامجي عمل صريحين، رغم حاجة الوطن السوري إلى مسارات تُبنى على قوانين عصرية ديمقراطية، تعيد الحياة السياسية إلى سكّتها الحقيقية، وتنتج قانوناً حديثاً للإعلام، ولا تكتفي بـ"مدونة سلوك" صيغت على عجل من إعلاميّين مقرّبين ليس إلا. الانفتاح في الوضع الداخلي في سورية ومسألة الديمقراطية ما زالا غائبَين وغير ناجزَين قوانين سورية كثيرة علاها الصدأ، وتحتاج تحديثاً وتغييراً ومراجعة وتطويراً جدّياً، وهو ضرورة بحقّ إذا كنا نريد أن نبني وطناً يقوم على مبادئ الثورة السورية، ويتكئ على سيادة القانون وإعطاء الدور الحقيقي لهيئات المجتمع المدني، كي يحمي القانون ويبني الوطنية السورية، وكي يُنتج ذاك العقد الاجتماعي الجامع الذي ينتظره الوضع السوري برمّته، بعد أن تمت عملية الدمج بعد اتفاق فبراير (2025) بين الحكومة السورية وشمال شرقي سورية، وما زال الناس ينتظرون خطوات مماثلة مع الجنوب السوري، مع محافظة السويداء وجبل العرب، قبل أن يصبح الموضوع أصعب، وإمكانية عودة السويداء إلى الوطن الواحد أشدَّ صعوبة. الثورة السورية، في ذكراها اليوم، ما زالت تحتاج إلى كثير من الجهد والإصلاح الثوري، وما زالت العدالة الانتقالية ومساراتها "تتعثّر في الأكم وفي الوهد"، وما زال السلم الأهلي من ضرورات مزيد من البناء الوطني المطلوب. فهل يمكن القول حالياً إن الثورة أكملت مراحلها كلّها؟ وإن مهامها الوطنية باتت في حكم المنجز العملي؟ أم أن كثيراً أمامنا لنقول: لقد تحققت أهداف الثورة السورية وأصبحنا في ظلّ الدولة الوطنية السورية الديمقراطية، دولة المواطنة المؤمّل إنجازها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية