عربي
صفحة أخرى قاسية في تاريخ لبنان يتجه فيها نحو الدمار، في ظلّ الخوف من انتكاسة هائلة نتيجة المأزق العسكري والسياسي في مسألة حصر سلاح حزب الله. من جهة، لم تحترم إسرائيل وقف إطلاق النار منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، وسجّلت قوات الأمم المتحدة المؤقّتة في لبنان عشرة آلاف انتهاك جوّي وبرّي، ومع ذلك لم يردّ حزب الله. لقد انتظر الحزب الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، ومقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، ليردّ بإطلاق صواريخ أشعلت حرباً وردّاً عنيفاً من الدولة العبرية التي تستعدّ لحملة عسكرية مطوّلة في لبنان بعد نهاية الحرب مع إيران. ومن جهة أخرى، على لبنان الرسمي أن يتعامل مع مطالب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بحصر السلاح بالقدرات العسكرية المحدودة للجيش اللبناني لكبح جماح الحزب، ويبدي الجيش حرصاً على تجنّب مواجهة مباشرة مع الحزب تعيد إشعال الاضطرابات بين مختلف الطوائف والجماعات، وصدى الانقسامات اللبنانية حول الحرب ومآلاتها وتداعياتها. فتحاول السلطة السياسية إيجاد مخرج عبر طرح المفاوضات المباشرة مع إسرائيل تحت رعاية الأمم المتحدة بهدف إرساء هدنة كاملة للتحرّر من حرب لا نهاية لها، ولا علاقة لها بمصالحها الوطنية.
قد يزيد حزب الله من الكلفة التشغيلية للحرب على إسرائيل من أجل دفعها إلى التراجع، في رهان غير مؤكّد
الدولة اللبنانية في مأزق عسكري وسياسي، إذ يضع الجميع سقوفاً عالية للغاية، ولا يسهّلون المهمّة على السلطة التنفيذية، ويصبح المشهد أكثر قسوةً، في جحيم غير متناسب مع الضربات الإسرائيلية، والهجوم الذي يُحضّر له، إذ تجد إسرائيل الذريعة للتوسّع والاحتلال والغزو، وإحداث فوضى وفتنة داخلية داخل البلاد، كما يجد حزب الله ذريعةً للإبقاء على سلاحه خارج سلطة الدولة. وبين التصعيدَين تضيع الدولة، ويجد اللبنانيون أنفسهم محاصرين بالنيران، يدفعون مجدّداً ثمن حروب الساحات المفتوحة بدل إقفالها نهائياً، ويتحوّل السلاح أداةً لمزيد من الفوضى الداخلية، ولتثبيت الحزب بوصفه قوّةً محلّيةً، مع خلق واقع جديد سياسي وأمني. والقلق من رؤية إسرائيل تغزو لبنان في العودة إلى سيناريوهات سابقة بين عامَي 1978 و2000. وفي هذا يعيش اللبنانيون مزيجاً من الغضب والحزن والإرهاق أكثر من الخوف من حروب قاسية لم يبتعدوا عنها منذ ستينيّات القرن الماضي، ولا عن صراعاتها وآلامها، ولكن أيضاً بمشاعر من التضامن لمساعدة العائلات النازحة في مئات مراكز الإيواء.
الحرب حاضرة في كلّ مكان، لا ضحايا ودماراً فحسب، بل يقف الناس معها في شرفات منازلهم وفي الشوارع، وهواتفهم في أيديهم يشاهدون قصف عماراتهم، فتتحوّل بناية في منطقة الباشورا في بيروت إلى مادّة مصوّرة إعلانية، تروي الذعر الذي يجتاح المدينة والوقت العبثي الذي ينفد في لبنان وسط التحذيرات العاجلة: "أنقذوا أرواحكم وأخلوا منازلكم على الفور"، التي صارت جزءاً من نسيج حيواتهم اليومية، في رتابة التكرار وتدمير أحياء أُخليت. ولم يعد هناك في لبنان منطقة آمنة صِرفاً، في انتقام وحشي وتزايد مخاطر القتل، والضحايا نحو ستّة آلاف شخص وألف وخمسمائة جريح ومليون نازح، ما يقارب ربع سكّان لبنان. والأخطر أن كثيراً من هؤلاء قد لا يتمكّنون من العودة حتى لو توقّفت الحرب بعدما دُمّرت منازلهم وقراهم بالكامل، ما يضاعف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية. فيصير الوطن بلا معنى في جغرافيا السياسة والاقتصاد، والحرب لا تزال في أوّلها.
يسند الناس ظهورهم إلى الموت، يغفون خلف شبابيك السيارات، فتلغي المسافات والحيطان والنوافذ، لا يفصلهم عن الموت لا البحر ولا المطار، فتلتحق الضاحية الجنوبية بغزّة، وتكرّر إسرائيل عدوانيتها وبربريتها وسيلةً لإبادة البشر والمدن. صفحة سوداء من التاريخ عندما يتعلّق الأمر برؤية "إسرائيل الكبرى" التي تريد أن تدمّر وتأخذ كلّ شيء، وتهدّد بقية العالم في الجنون المسلّح الأقوى. في المقابل، لم يتسبّب الحزب في نزوح كبير لسكّان المستوطنات في شمال الكيان المحتلّ على عكس العام 2024، لذلك يدفع الحزب ثمن موازين قوى تطلق يد إسرائيل الطولى في لبنان وتعاملها مع الناس رهائنَ وحقائبَ وفرشات إسفنجية تُنقل وتُفكّك. قد يزيد الحزب من الكلفة التشغيلية للحرب على إسرائيل، من أجل دفعها إلى التراجع في رهان غير مؤكّد. لكنّه قد ينجح في تعقيد الحسابات، وتحويل جزء من الاهتمام الإعلامي الدولي عن مسار الحرب الإيرانية وخسائرها. في المقابل، هذا الاشتباك بين الطرفَين يدمّر الدولة اللبنانية وروابط المجتمع. والحرب هي المكان الذي تتفكّك فيه المجتمعات وتنفجر فيها هُويّاتها الطائفية، ما يُشكّل خطراً حقيقياً، وإسرائيل مصمّمة على إطالة أمد الحرب. هذا في وقت تبدو الولايات المتحدة قد قطعت علاقاتها مع قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل وتطالب بإقالته، وهو طلب ترفضه بعبدا حتى الآن، وهي تعلن استعدادها للمضي قدماً في جهودها الدبلوماسية مع القوى الكُبرى وأمين عام الأمم المتحدة لاستئناف المفاوضات، ودراسة النقاط الأمنية اللازمة لوضع حدّ للتصعيد الإسرائيلي الخطير. لكن قنوات الحوار معطّلة مع الجانب الأميركي الذي يطرح الثقة في المؤسّسات الرسمية غير القادرة على تنفيذ القرارات السياسية، ولا حتّى تغيير العقليات السائدة للحصول على المساعدات من الخارج على غرار ما حصل في العامَين 1996 و2006، ولا حتى حين تولّى رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمر نفسه عام 2024.
لا شيء يثقل كاهل اللبنانيين أكثر من العجز السياسي والضحايا، ودمار لن يقدروا على مواجهته
وفي غضون ذلك، برزت الاتصالات التي يقوم بها الرئيس السوري أحمد الشرع بالمسؤولين اللبنانيين لتعزيز الموقف اللبناني وتوفير الإسناد له في خضمّ التغييرات العسكرية والسياسية المستمرّة. ولهذا السبب أيضاً يواصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جهوده لتهدئة التوتّرات في إطار مبادرة اقترحها مع مواصلة جهود الدولة لاستعادة احتكار السلاح. فالجيش ليس له مصلحة في مواجهة الحزب مباشرةً خوفاً من إضعافه وتقسيم قاعدته الشعبية. في المقابل، معادلة تسليم الحزب سلاحه والتحوّل إلى حزب سياسي تبدو معادلةً مستحيلة، ما ينسف عملياً إنجازات السنة الماضية كلّها من عهد الرئيس جوزاف عون وحكومة القاضي نوّاف سلام، ويُدخل البلاد في محنة من الصعب على أحد أن يرفع أثقالها عن الأرض، ولا سيّما أن الحزب يخوض حربه بلا أهداف لبنانية واضحة، بقدر ما ترتبط بدعم إيران، وهو نجح في مصادرة الفضاء العام، ليس في البيئة الشيعية فحسب، بل في مناطق الطوائف، وداخل مؤسّسات الدولة والحكومة والإدارات، ما يجعل عملية تفكيكه صعبة جدّاً. وهو الآن يستخدم السلاح آليات سلطة مستقلّة. لكنّه لم يكن إيراني الهوى كما هو الآن. ولا يمكن فصل مقاربته للحرب في لبنان عن حسابات طهران، ما يعزّز الدوامة التي يعيشها لبنان، وأصبح الخروج منها مرتبطاً بتسوية إقليمية أوسع، ولا يمكن متابعة مبادرة رئيس الجمهورية التفاوضية إلّا من خلال لبننة خيارات الطائفة الشيعية وإقناعها شمولياً بالانخراط في الدولة.
من الصعب الخروج من الأزمة بشعار "الوحدة الوطنية" من دون تماسك الجيش الضروري للغاية لبقاء لبنان وازدهاره، ومن هنا رغبة الرئيس عون في مدّ يده إلى الطرف المتمرّد، مع عدم إغفال هدف حصر السلاح للخروج من الأزمة.
نهاية الحرب لا تعني نهاية المشاكل، هذه الخيبة مع الصدمة على أصوات الطائرات والقصف المستمرّ، ومع كلّ ما يؤدّي إلى عالم متناقض، ولا شيء يثقل كاهل اللبنانيين أكثر من العجز السياسي واللامبالاة، ونسيان أرقام القتلى والجرحى وواقع دمار كبير لن يكونوا قادرين على مواجهته. والأمر متروك لوعيهم في إنقاذ الشيء المتبقّي من لبنان، بالبقاء متضامنين لرؤية مستقبل بلا حروب أخرى.
