عربي
قد تذكّرنا العودة إلى الحديث عن التكامل العربي بشعارات بعض الأحزاب القومية، على الرغم من أن هذه لم تكن في أيّ وقت جادّة في تنفيذها، لأن هذا التكامل أصلاً يضرّ بمصالح تلك الأحزاب، فقد كان حديثٌ من هذا النوع مجرّد اجترار لغوي، لأن الدول التي حكمتها هذه الأحزاب أبعدُ ما تكون عن الانفتاح الحقيقي على الدول العربية بما يخدم مصالح شعوبها، وغالباً ما اقتصرت على الخطاب السياسي الرنّان من دون ترجمة عملية على صعيد التكامل الاقتصادي أو الاستراتيجي.
في الواقع الراهن، يكشف كلّ صراع يضرب الشرق الأوسط هشاشةَ الاعتماد على معادلاتٍ جيوسياسيةٍ تتحكّم بها قوىً خارجية. فالحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وإغلاق مضيق هرمز، والتهديد المتزايد للملاحة في مضيق باب المندب، لا يعني فقط اضطراب أسواق الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط، بل تكشف أيضاً ضعفَ النظم الاقتصادية الإقليمية، وضعفها أمام الصدمات الناتجة من صراعات لا تملك الدول العربية التحكّم فيها أو التدخّل في مساراتها.
تدل وقائع الحرب الحالية على إيران على أن التداعيات تتجاوز الدول المتحاربة مباشرةً، فتطاول محيطها الإقليمي بأكمله. فالدول الخليجية، كما التي تجاورها إسرائيل، نتيجة التصعيد العسكري، أصبحت أهدافاً مباشرةً للهجمات الإيرانية، ما يضعها أمام تحدّيات أمنية واقتصادية متزامنة، فهذه الهجمات المستمرّة تزعزع الاستقرار، وتزيد من الخسائر المالية، وتؤثّر في توجّهات اقتصاداتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على الدول المرتبطة بها اقتصادياً، أو التي تعتمد عليها في مساعدتها بتخطّي أزماتها الاقتصادية، وإعادة إعمارها. مثال ذلك سورية ولبنان، فكلُّ منهما تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم والاستثمارات الخليجية في التعافي وإعادة الإعمار.
يكشف كلّ صراع يضرب الشرق الأوسط هشاشةَ الاعتماد على معادلاتٍ جيوسياسيةٍ تتحكّم بها قوىً خارجية
ففي سورية، خلّفت سنوات الحرب التي شنّها النظام على شعبه دماراً واسعاً في البنية التحتية والاقتصاد. كذلك يواجه لبنان أزمةً اقتصاديةً مستمرّةً، تفاقمت مع انخراط حزب الله في الصراع الإقليمي، ما يجعل استقرار الاقتصادات الخليجية عاملاً محورياً في قدرة هذَين البلدَين على تفادي الانهيار الاقتصادي الكامل. ومن المفيد أننا نشهد اليوم حراكاً عربياً لتطوير بدائل استراتيجية لتأمين تدفّقات الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرّات البحرية المهدّدة بالنزاع، من أبرز هذه البدائل خطوط الأنابيب البرّية، مثل خطّ بترولاين في السعودية، الذي ينقل النفط من شرق المملكة إلى موانئها على البحر الأحمر، وكذلك خطّ سوميد المصري الذي يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، ويوفّر مساراً بديلاً لنقل النفط إلى الأسواق الأوروبية بعيداً من المخاطر الجيوسياسية. هذه البدائل، بالرغم من أنها خطوة عملية، تشير إلى أن الدول العربية بدأت تدرك أهمية امتلاك خيارات استراتيجية تقلّل من خطر بقائها تحت أضراس القوى الخارجية.
خلال العقود السابقة، وما مرّ فيها من إشكالات وخلافات وحروب، ثبت للدول العربية أن التحدّي الأساس لم يكن نقص الموارد، بل محدودية القدرة على التصرّف بها، وبناء بنية تحتية تكون تحت سيطرتها وفي مجال نفوذها الإقليمي، فاعتماد الاقتصادات العربية على الخارج في أسواق التمويل والتجارة جعلها عرضةً للتأثّر المباشر في أيّ أزمات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية عند ارتفاع أسعار الطاقة أو تعطّل طرق الشحن والنقل. وهو ما نراه اليوم في الدول بالقرب من مناطق النزاع أو الممرّات البحرية الحيوية، وعلى الرغم من محدودية تأثيرها في الدول الغنية بالطبع، ينعكس تأثيرها سلباً بالمنطقة عموماً، ويعرّض الدول الفقيرة لأزمات معيشية واقتصادية.
من هنا تنبع الحاجة إلى مقاربة عربية عملية تقوم على بناء شبكة علاقات اقتصادية بين الدول، وتطوير شبكات نقل وطاقة، وتوسيع نطاق التجارة البينية، وصناعة استثمارات مشتركة تربط المصالح البينية. هذه المقاربة تشكّل ما يمكن تسميته "الأمن الاقتصادي العربي"، الذي كان لسنواتٍ مجرّد مشروع خطابي عند بعض الأنظمة، لكنّه اليوم بات ضرورةً لتقليل تأثير الأزمات العالمية، وحماية الاقتصادات الهشّة من الانزلاق إلى دوامات عدم الاستقرار.
في النهاية، لم تعد المنطقة مضطرّة إلى البقاء رهينةً للمعادلات التي يفرضها الآخرون. فالقوة الاقتصادية التي يمتلكها العالم العربي، إذا ما وُظّفت ضمن مشروع تعاون إقليمي شامل، يمكن أن تتحوّل إلى نفوذ سياسي واستراتيجي حقيقي يحمي الدول المنتِجة، ويضمن استقرار المنطقة، لتعود على كامل محيطها بالفائدة واستقرار نظاميها، السياسي والاقتصادي.
