عربي
قبل اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، في 28 الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، زار رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، إسرائيل يومي 25 و26 من الشهر نفسه، بالتزامن مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، تشكيل ما وصفه بـ"التحالف السداسي"، مشيراً إلى احتمال انضمام الهند ودول أخرى إليه، لمواجهة ما سمّاهما "المحور الشيعي" و"المحور السنّي الناشئ". غير أن الجانب الهندي لم يصدر أيّ تأكيد بشأن هذا الطرح، ما يعكس درجةً من التحفّظ الاستراتيجي إزاء الانخراط العلني في تحالفات إقليمية ذات طابع استقطابي. وفي المقابل، بدا أن الإعلان الإسرائيلي يسعى إلى إيصال رسالة أن الهند قد تقف إلى جانب إسرائيل في حال اندلاع مواجهة إقليمية، وهو ما يعكس جزئياً تصوّرات إسرائيلية لطبيعة موقف نيودلهي تجاه التطوّرات العسكرية الراهنة في الشرق الأوسط.
وعقب اندلاع الحرب، أصدرت وزارة الخارجية الهندية الـ"بيان بشأن تطوّرات الوضع في غرب آسيا"، أعربت فيه عن "قلق بالغ إزاء التطوّرات الأخيرة في إيران ومنطقة الخليج". كما جدّدت نيودلهي، في بيان لاحق في 3 مارس/ آذار الجاري بعنوان "بشأن النزاع الدائر في منطقة غرب آسيا"، تأكيد "قلقها البالغ إزاء اندلاع النزاع في إيران ومنطقة الخليج". ويعكس هذا الموقف الدبلوماسي تصوّراً هندياً يسعى إلى تأطير الحرب الراهنة ضمن حدود جغرافية وسياسية محدّدة. فمن اللافت في الموقف الرسمي الهندي توصيف الأحداث بأنها نزاعٌ يدور في إيران ومنطقة الخليج، مع إغفال الإشارة المباشرة إلى الدور الإسرائيلي – الأميركي في التصعيد العسكري ضدّ إيران.
يغفل الموقف الرسمي الهندي الدور الإسرائيلي – الأميركي في التصعيد ضدّ إيران
ويكشف هذا النهج تبنّي الهند استراتيجيةً دبلوماسيةً يمكن توصيفها بنهج "التوازن المتحفّظ". ويُمثل هذا النهج تحوّلاً نسبياً مقارنة بما يمكن تسميته "التوازن التوافقي"، الذي دأبت نيودلهي على تبنّيه في العامَين الماضيَين في تعاملها مع موجات التصعيد بين إيران وإسرائيل. فعلى سبيل المثال، في إبريل/ نيسان 2024، أعربت الهند عن "قلقها العميق إزاء تصاعد الأعمال العدائية بين إيران وإسرائيل في غرب آسيا". وفي بيانات لاحقة، تبنّت نيودلهي نمطاً من الصمت الدبلوماسي المدروس، مكتفيةً بإصدار بيانات عامة بشأن "التطوّرات في غرب آسيا" من دون تسمية أطراف محدّدة، مع الدعوة إلى ضبط النفس واستئناف الحوار والمسارات الدبلوماسية.
وفي ظلّ التطوّرات المتسارعة، يضع نهج "التوازن المتحفّظ" دبلوماسية "التوازن التوافقي" أمام اختبار حقيقي، ولا سيّما مع تصاعد أصوات المعارضة الحزبية داخل الهند التي تنتقد ما تعتبره تحفّظاً مفرطاً من الحكومة في التعامل مع الهجمات الإسرائيلية والأميركية. كما يكشف هذا النهج إشكاليةً أعمق تتعلّق بقدرة السياسة الخارجية الهندية على الموازنة بين متطلّبات الموقف السياسي من تطوّرات الشرق الأوسط وضرورات حماية المصالح الاستراتيجية للهند في المنطقة.
ومع تصاعد أصوات المعارضة، صرّح زعيم حزب المؤتمر الوطني الهندي، راهول غاندي، في 3 مارس/ آذار الجاري، عبر منصّة إكس، أن "الهجمات الأحادية على إيران يجب إدانتها، وكذلك الهجمات الإيرانية على دول أخرى في الشرق الأوسط". وأضاف غاندي أن على الهند "أن تكون واضحةً أخلاقياً، وأن تتحلّى بالشجاعة للتحدّث بصراحة دفاعاً عن القانون الدولي وعن حياة الإنسان". ومع عدم إصدار الحكومة الهندية بيان تعزية رسمياً عقب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، اعتبرت المعارضة ذلك مؤشّراً إضافياً على تحفّظ الموقف الحكومي. وفي هذا السياق، قال غاندي: "على رئيس الوزراء مودي أن يُعلن موقفه. هل يُؤيّد اغتيال رئيس دولة وسيلة لتحديد النظام العالمي؟ الصمت الآن يُضعف مكانة الهند على المستوى الدولي".
وعلاوة على ذلك، طالبت المعارضة بعقد نقاش موسّع داخل البرلمان بشأن تداعيات الحرب على المصالح الحيوية للهند. ففي 9 مارس، عقب استئناف جلسات مجلس النواب الهندي (لوك سابها) ضمن الجزء الثاني من جلسة الميزانية السنوية، تصاعدت مطالب النواب بعقد نقاش عاجل حول تطوّرات الوضع في غرب آسيا وتأثيراتها المحتملة على مصالح الهند. كما قدّمت المعارضة طلباً رسمياً في مجلس الشيوخ (راجيا سابها) بموجب المادة 176 لمناقشة الأزمة، ورفعت لوائح تطالب بعقد نقاش قصير الأجل ضمن الإجراءات البرلمانية المعروفة لتوسيع نطاق النقاش بين المجلسَين، إلا أن هذا الطلب قوبل بالرفض. وبدلاً من ذلك، ألقى وزير الشؤون الخارجية الهندي، سوبراهمانيام جايشانكار، بياناً أمام البرلمان أشار فيه إلى اجتماع لجنة مجلس الوزراء المعنية بالأمن الذي عُقد في الأول من مارس برئاسة رئيس الوزراء مودي، مؤكّداً أن الحكومة قدّمت إحاطةً رسميةً للبرلمان بشأن الأزمة، في إشارة إلى متابعة نيودلهي للتطوّرات المتسارعة في الشرق الأوسط. واختتم الوزير جايشانكار كلمته بالإشارة إلى ثلاثة عوامل توجيهية تشكّل مقاربة الهند تجاه "الوضع في غرب آسيا". فأولاً: تؤكّد الهند دعم السلام والدعوة إلى العودة إلى مسار الحوار والدبلوماسية، مع الدعوة إلى خفض التصعيد، وممارسة ضبط النفس، وضمان سلامة المدنيين. ثانياً: تعتبر رفاهية الجالية الهندية وأمنها في المنطقة أولوية قصوى، وستواصل الحكومة العمل مع حكومات المنطقة لتحقيق هذا الهدف. ثالثاً: تظلّ المصالح الوطنية للهند، بما في ذلك أمن الطاقة وتدفّقات التجارة، في المقام الأول.
التحدّي الرئيس أمامها متمثّلاً في الحفاظ على صيغة توازن دبلوماسي توافقي في أثناء إدارة الأزمات الإقليمية والدولية المعقّدة
عند التدقيق في مضامين الخطاب الدبلوماسي، يتّضح أن العوامل التوجيهية الثلاثة المذكورة أعلاه تعكس بوضوح توجّه السياسة الخارجية الهندية نحو تبنّي نهج "التوازن المتحفظ". ففي المقاربة الأولى المتعلّقة بالدعوة إلى استئناف مسار الحوار والدبلوماسية، بدا أن هذا الطرح يرتبط (وفق التصوّر الهندي) بالنزاع القائم بين إيران ودول الخليج. وخلال كلمته، استخدم الوزير جايشانكار توصيفاً حذراً للأحداث تمثّل في الإشارة إلى "الضربات الجوية في إيران والهجمات اللاحقة في عدد من دول الخليج". كما أوضح أن الجولة الراهنة من الصراع شهدت مواجهات عسكرية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى جانب هجمات استهدفت دولاً في الخليج. ولافتٌ أن الوزير أشار للمرّة الأولى صراحة إلى إسرائيل والولايات المتحدة طرفَين في المواجهة العسكرية، غير أنه فعل هذا من دون توصيف الوضع بأنه حرب، وكذلك من دون توجيه أي إدانة مباشرة إليهما.
وركزت المقاربة الثانية على أولوية حماية الجالية الهندية في المنطقة، إذ قال الوزير إن أمن (ورفاهية) المواطنين الهنود في الشرق الأوسط أولويةٌ قصوى للحكومة الهندية، مشيراً إلى وجود نحو عشرة ملايين هندي يقيمون ويعملون في دول الخليج، فضلاً عن بضعة آلاف من الهنود المقيمين في إيران لأغراض الدراسة أو العمل. غير أن اللافت في هذا السياق عدم الإشارة إلى الهنود المقيمين في إسرائيل، رغم الأعداد الملحوظة لهم هناك. وتفيد التقديرات بوجود أكثر من 42 ألف عامل ونحو ألف طالب من الهنود في إسرائيل، إضافة إلى ما يزيد على مائة ألف من أصول هندية يحملون الجنسية الإسرائيلية، وبعضهم يحمل أيضاً بطاقة "هندي في الخارج" التي تتيح لهم طلب المساعدة أو المغادرة في حالات الطوارئ.
يكشف الموقف الهندي تجاه الحرب الراهنة تبنّي نيودلهي نهج "التوازن المتحفّظ"
وأخيراً، ركّزت الإحاطة الخطابية (المقاربة الثالثة) على التداعيات الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالهجمات الإيرانية على دول الخليج. وفي هذا السياق، شدّد الوزير على أهمية هذه الدول بوصفها شريكاً تجارياً رئيساً للهند، إذ يبلغ حجم التبادل التجاري السنوي نحو مائتي مليار دولار. كما أشار إلى المخاطر المحتملة التي قد يفرضها النزاع على أمن الطاقة الهندي وعلى تدفّقات التجارة. ومع ذلك، لم تتضمّن الإحاطة تقييماً شاملاً للتداعيات الأمنية والاقتصادية للحرب على المصالح الوطنية الهندية، بما في ذلك الآثار المحتملة للضربات العسكرية الإسرائيلية والأميركية المستمرّة على إيران.
وقد يُنظر إلى كلمة الوزير جايشانكار بوصفها استجابةً جزئيةً لمطالب المعارضة، غير أنها لا ترقى إلى مستوى ما دعت إليه قوى المعارضة من إجراء مناقشة برلمانية موسّعة تتيح تقييماً شاملاً ومتكاملاً لتداعيات الحرب على المصالح الهندية في الشرق الأوسط. وعلّق القيادي في حزب المؤتمر الوطني الهندي، جيرام راميش، في "إكس"، في اليوم نفسه لخطاب الوزير قائلًا: "إن التصريحات التي يدلي بها الوزراء، التي لا يمكن الاستفسار عنها أو طلب توضيحات بشأنها، لا قيمة لها على الإطلاق".
وفي ضوء ما سبق، يكشف الموقف الهندي تجاه الحرب الراهنة في الشرق الأوسط تبنّي نيودلهي نهج "التوازن المتحفّظ"، وهو نهج يعكس قدراً من الانحياز الضمني إلى صالح إسرائيل، من خلال تناول الأحداث وتأطيرها ضمن نزاع لا تُذكر فيه إسرائيل بوصفها طرفاً رئيسياً في التصعيد العسكري. وقد أفضى هذا النهج إلى بروز إشكالية جوهرية في موازنة السياسة الخارجية الهندية بين موقفها السياسي من تطورات المنطقة وبين ضرورة مراعاة مصالحها الاستراتيجية الواسعة في الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي تواصل فيه نيودلهي اتّباع استراتيجية دبلوماسية ذات طابع "توازن متحفّظ"، يظلّ التحدّي الرئيس أمامها متمثّلاً في الحفاظ على صيغة توازن دبلوماسي توافقي في أثناء إدارة الأزمات الإقليمية والدولية المعقّدة. ويطرح ذلك تساؤلات أوسع داخل الهند بشأن حدود البراغماتية في سياستها الخارجية، ومدى قدرتها على الحفاظ على نهجها التقليدي القائم على التوازن في بيئة إقليمية تتسم بتصاعد الاستقطاب والتنافس الجيوسياسي.
