عربي
كان لدى بعض الكتّاب الغربيين نهجٌ يتمثل في كتابة الكتب لمخاطبة النخبة حصرياً، فاتبعوا أسلوب الكتابة باللاتينية بدل اللغات الأوروبية الدارجة، إذ كانت معرفة اللاتينية مقتصرة على طبقة عالية من رجال الدين والنبلاء والسياسة والأدب. وبهذا ضمنت كتبهم البقاء في أيدي النخبة فقط بعيداً عن العامة، مع تجاوز الرقابة المباشرة وتفادي ردات الفعل الصاخبة من الجمهور.
من الأمثلة البارزة: جون لوك مع كتابه رسالة في التسامح، ورينيه ديكارت مع تأملات في الفلسفة الأولى، وتوماس هوبز مع اللفياثان، فضلاً عن باروخ سبينوزا مع رسالة في اللاهوت والسياسة.
وفي تاريخ الفكر البشري، نجد محاولات للمزج بين الخطاب النخبوي والخطاب الموجّه للعامة. مثال ذلك تراثنا العربي عند ابن المقفّع في كتابه كليلة ودمنة، الذي جمع بين مضمون نخبوي وشكل شعبي يروق للعامة، حتى قيل عنه: "في ظاهره لهو للعامة وفي باطنه سياسة للخاصة". ومقارنة بذلك، جاء في كتاب "العمدة" لابن رشيق المنسوب إلى أبي عبد الله وزير المهدي: "خير الشعر ما فهمته العامة ورضيته الخاصة". هذا المزج يمنح النص قيمة إضافية ويجعل محتواه متقدّماً على غيره.
وفي زمن الحداثة ووسائل الإعلام التقليدية، حافظت النخبة على مكانتها المميزة، إذ كانت المنصات الإعلامية تستقطب المفكرين والكتّاب المميزين، ويُمكّن التمييز بسهولة بين الصحافة الموضوعية والرصينة وبين الصحافة الصفراء التي تركز على الفضائح.
غير أن عصر العولمة وظهور وسائل التواصل الاجتماعي وشيوع ثقافة الصورة وبروز صنّاع المحتوى أحدثت تغيّراً جذرياً. أصبح بإمكان الجميع التصدّر الإعلامي، وارتفع صوت المحتوى السطحي مقابل ندرة المحتوى القيّم، فحُشر النخبويون في الزاوية. بعضهم انسحب، وآخرون حاولوا مجاراة الترند بأسلوب شعبوي لضمان التفاعل، حتى لو كان ذلك على حساب رصانة محتواهم.
هل فشل بعض النخب في إيصال أفكارهم بلغة أقرب للجمهور سبب ذلك؟ أم أن الذائقة الجماهيرية تغيّرت بطبيعتها، فتفضّل المتعة السريعة على العمل التأملي الجاد؟
وقد أدى هذا المشهد إلى شيوع شكوى النخبة من عزوف الجمهور عن محتواهم، مقابل انجذاب الجماهير إلى المحتوى المبسط والمباشر. وطرح السؤال الجدلي: هل فشل بعض النخب في إيصال أفكارهم بلغة أقرب للجمهور سبب ذلك؟ أم أن الذائقة الجماهيرية تغيّرت بطبيعتها، فتفضّل المتعة السريعة على العمل التأملي الجاد؟
وأيّاً كانت الإجابة، فإن شروط المرحلة اختلفت عن كل حقبة سابقة. أصبح الفضاء العام منفتحاً للجميع وتحرّر من احتكار النخبة ووسائل الإعلام التقليدية، فتصدر مؤثرون وصناع محتوى يقدمون ما يحبّونه أو يستعرضون يومياتهم، وقد وجد الجمهور في ذلك متنفساً يلبي حاجاته النفسية والعاطفية.
ولا يمكن إجبار الجمهور على ترك هؤلاء والانصراف لمتابعة محتوى النخبة، كما لا ينبغي تحميل النخبة وحدها مسؤولية الانفضاض العام، بل يجب أن تدرك أن خير "المحتوى" ما استساغته العامة ورضيت به الخاصة.