عربي
يرى متابعون للشأن الاقتصادي أنّ الجزائر لن تكون في منأى عن تداعيات الحرب في المنطقة، فبينما ستعمل على كسب مداخيل إضافية من صادرات المحروقات ستكون بالمقابل في مواجهة ارتفاع أسعار بعض المواد الأولية المستوردة من الخارج، وتأثير ذلك على القدرة الشرائية للمواطن، مع التراجع المستمر لقيمة الدينار أمام اليورو والدولار.
فرصة لتعزيز صادرات الغاز
ويتوقع مراقبون أن الجزائر ستعزز صادراتها من الغاز، إذ يقف الغاز الجزائري أمام فرصة جديدة لفتح حصة سوقية في ظل الأوضاع الاقتصادية الدولية الراهنة، إذ يتوقع أن تعمل سوناطراك على تعزيز صادراتها من الغاز للاستفادة من الأسعار المرتفعة وتعويض غياب الإمدادات من الشرق الأوسط وتعويض انخفاضها من الغاز المُسال التي تراجعت خلال 2025 إلى مستويات غير معهودة.
الطلب الأوروبي على الغاز الجزائري
وقال المسؤول الإيطالي جياني مورانو وهو رئيس جمعية شركات الوقود في تصريحات لوسائل الإعلام الإيطالية الأسبوع الماضي، إن الجزائر من بين الخيارات التي سيجري التوجه نحوها للاستفادة من الغاز المُسال بعد أن كانت قطر تضمن نسبة 50% من إمدادات روما أي 9 مليارات متر مكعب، بينما تضمن ما نسبته 12% من الغاز، فيما تعد الجزائر المورد الأول للغاز لإيطاليا، إذ تضمن ثلث الإمدادات الغازية للبلاد بعد أن حلت تدريجياً محلّ روسيا منذ بداية النزاع في أوكرانيا.
التزامات الجزائر تجاه أوروبا
وتجد الجزائر نفسها أمام تعهداتها لدول أوروبا لتأمين إمدادات الغاز، في ظل سعي أوروبا لحظر الإمدادات الروسية، وقد شهد عام 2025 تطورات إيجابية لتعزيز إنتاج الغاز الجزائري تمثلت في منح عقود شراكة مع شركات عالمية، لتطوير ما يصل إلى 700 مليار متر مكعب غاز ونحو 560 مليون برميل نفط خام، مع ترقب إطلاق جولة أخرى خلال 2026.
وقال المحلل الاقتصادي عبد المالك سراي، لـ"العربي الجديد"، إن "الجزائر ستكون ضمن بدائل التموين بالغاز وربما حتى النفط، لبعض من دول أوروبا، بالنظر إلى توقف إنتاجات الطاقة في دول الخليج وعلى رأسها قطر"، ويعتقد سراي أن "الجزائر وبالنظر لوجودها الجغرافي البعيد عن منطقة الصراع فلن تتأثر سلباً على المدى القصير، بل ستستفيد اقتصادياً من خلال ضمان تموين دول أوروبا بالغاز بالنظر إلى تضرر الإمدادات القطرية وتوقف التموين الروسي سابقاً"، ويرى سراي أن "إسبانيا ستكون هي البلد الوسيط لإمداد أوروبا بالغاز إذ يمكن أن ترتفع صادرات الجزائر نحو هذه الدول إلى أكثر من 11% وهو ما من شأنه ضخ مداخيل إضافية في الخزينة العمومية لاحقاً".
ولا يعتقد متابعون أن تلبي الجزائر كل احتياجات الغاز وتعويض إمدادات الشرق الأوسط أو الأسيوي، لكن ذلك لا يمنعها من استغلال الوضع وزيادة حصتها في السوق ما يسمح لها بدعم وارداتها من النقد الأجنبي.
مكاسب محتملة ومخاطر قائمة
من جانب آخر، أجرى الخبير الاقتصادي عبد الرحمن خالف دراسة اقتصادية حول تأثير الحرب في الشرق الأوسط على الجزائر، الخسائر، المكاسب، وإدارة الوضع، وجاء في فحوى الدراسة التي أرسلها الخبير لـ"العربي الجديد"، أنّ "الحرب في الشرق الأوسط يمكن أن يكون لها آثار متضاربة على الجزائر، إذ قد تولد مكاسب اقتصادية قصيرة الأجل؛ كما قد تخلق مخاطر اقتصادية وسياسية كبيرة إذا طال أمد النزاع، وهذا يعود بشكل رئيسي إلى الاعتماد القوي للاقتصاد الجزائري على صادرات المحروقات".
وأوضح الخبير أنه "غالباً ما تؤدي النزاعات أو التوترات في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار الطاقة في الأسواق الدولية بسبب مخاوف تعطيل الإمدادات، وفي هذه الحالة، يمكن للجزائر، كدولة مصدرة للمحروقات، أن تستفيد من زيادة كبيرة في إيرادات التصدير، خصوصاً وفي حال استمرار الحرب حيث سيبحث الأوروبيون عن موردين بديلين أقرب جغرافياً، ويمكن للجزائر في هذا الوضع تعزيز موقعها شريكاً طاقوياً استراتيجي لأوروبا، خاصة في مجال الغاز الطبيعي".
مخاطر التضخم وارتفاع الواردات
وعلى الرغم من هذه المكاسب المحتملة، "يمكن للحرب في المنطقة أن تمثل أيضاً مخاطر كبيرة للاقتصاد الجزائري، إذ سيؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف النقل البحري، التأمين، والشحن الدولي، كما يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية والمواد الخام المستوردة، ونظراً لأن الجزائر تعتمد بشدة على الواردات لعدة منتجات، يمكن أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع التضخم داخل البلاد، بالإضافة إلى ظاهرة ما يعرف باستيراد التضخم، وهذا يعني أن تكلفة المنتجات النهائية التي نستهلكها، لكننا لا ننتجها، ترتفع لأننا يجب أن نستوردها، وبما أن الجزائر تستورد حوالى 75% مما تستهلكه من الأسعار للمنتجات الأجنبية التي قد ترتبط إلى حد كبير بالمضاربة في الأسواق الدولية، فإن التكاليف يمكن أن ترتفع وتجبرنا على دفع أكثر، ما يضع ضغطاً إضافياً على احتياطياتنا من العملات الأجنبية، على المدى القصير".
واقترح خالف في دراسته أنه ولمواجهة هذه الوضعية، يجب على الحكومة الجزائرية اعتماد استراتيجية حذرة ومتوازنة، من خلال إدارة الإيرادات الإضافية المحتملة من النفط والغاز بعناية، والعمل على إعادة النظر في أسعار بيع الغاز والنفط وتكييفها مع الأسعار الحالية، إذا سمحت الشروط التعاقدية بذلك واستخدام هذه الموارد لتعزيز الاستقرار المالي، وكذا تعزيز الاحتياطيات، وتمويل الاستثمارات المنتجة طويلة الأجل، بدلاً من زيادة الإنفاق بشكل مفرط.
ودعا خالف من جانب آخر الحكومة لتعزيز الأمن الغذائي والاقتصادي بحماية الاحتياطيات الاستراتيجية، ومراقبة التضخم، وتأمين سلاسل الإمداد للمنتجات الأساسية، مشيراً إلى أنه يمكن للجزائر استغلال هذه الوضعية لتعزيز شراكاتها الطاقوية مع أوروبا وأفريقيا، مشيراً إلى أهمية العمل على المدى المتوسط والطويل على الاستثمار في تصنيع المنتجات التي تستوردها الجزائر، وفتح السوق أكثر للقطاع الخاص في بعض المجالات الاستراتيجية، بالإضافة إلى إصلاح النظام الضريبي، وإصلاح القطاع البنكي، وتطوير قطاع السياحة لتعزيز ثقة المستثمرين وكذل تدريب مهندسين في إنتاج الأسلحة التقليدية لتقليل الاعتماد على الاستيراد العسكري الأجنبي.
