"الصومعة" متاهة روائية لعبد الخالق كلاليب
عربي
منذ ساعة
مشاركة
"الصومعة" رواية السوري عبد الخالق كلاليب، ورشة تجارب قصصية، تصوّر قدرة الكاتب على أن يحكي، وأن يبتكر حكايا كبيرة. يُمكننا القول، بادىء ذي بدء، إن الرواية (شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2025) في حقيقتها روايتين على الأقل. ليس بين الأولى والثانية سوى أسطر قليلة. في الرواية الثانية نكتشف اسم الروائي المزعوم إنه عبد الله المجهولي، وهو في صَدْر الرواية الثانية يقف عند نهاية روايته الأولى التي يضمن أنها ذات نهاية سعيدة. يخشى أن تكون لذلك ساذجة، ويدخل في كلام عن الحرب الأهلية ومُراده الكتابة عنها، وحرَجه من أن ذلك لا يُطابق روايته، ليبدأ بعد ذلك روايته الثانية، التي هو الآن راويتُها، وبطلُها خاله.  الرواية الثانية غير الأولى تماماً. إذن نحن أمام روايتين كاملتين، ولا يكفي هذا الوصف الخفيف ببضعة أسطر ليجعل منهما عملاً واحداً. روايتان إذن مع عدد من التجارب والأساليب التي تتلاحق بمبادرات من الكاتب، أبواباً من الرواية، يملك أحياناً ناصيتها. هو يبدأ من رواية السفر عبر الزمن أو العوالم المتوازية، لكنه يتوصل إليها من مقدمة غرائبية.  فالح المسعود مسجّل صوتي لروايات، يكتشف أن واحدة منها "حياتي" تكاد تكون عنه. سيبدأ من هنا مزيجٌ من الغرائبية والعالم الموازي. في ثغرة من خزانة حائطية في منزله يتمدّد فيها ليواجهه رجلٌ ذو وجه معتم، يخاطبه: "لم يكن من المفترض أن يحصل ذلك لكنه حصل". يتردّد فالح في تسجيل الرواية التي يُريبه أمرها، لكن شاهر صاحب المؤسسة الغامض لا يلبث أن يعفيه، وفي واحدة من جولات فالح يلتقي براوي الحكاية السمسار الذي يروي له حكاية راضي السائق، الذي اصطحب راكباً في سيارته التي انثقب دولابها، ولسبب غير حقيقي فرغ الاحتياطي من الهواء، فسار الاثنان إلى حيث يتراءى لهما مبنى، ما أن يطرقا بابه حتى ينفتح لهما.  لغز يفضي إلى آخر داخل سرد أقرب إلى الخيال العلمي ينفصلان بعده عن بعضهما عن بعض ويغيبان عشر سنوات، ليعود بعدها راضي السائق ويغدو صاحب أعمال وثريّاً للغاية، وهو الذي أسّس شركة التسجيلات الصوتية وأوصى بتسجيل الرواية وسمّى لذلك فالح، وما لبث أن تراجع وأعفاه. نفهم أن المبنى التي طرقاه كان مدخلاً إلى العالم الموازي، وأن راضي السائق هو الذي صار في ما بعد رجل الأعمال شاهر. نعود إلى العالم الموازي حيث خيّر راضي بين أن يموت هو أو يموت الراكب. سيموت الراكب ويعيش راضي حياةً عاشَر فيها امرأتين، وصاحب آرثر وحالم المنشا صاحب رواية "حياتي"، التي لا يعلم أحد كيف تسرب فيها إلى حياة فالح المسعود. لا بدّ أن في القصة تبادل أحلام بين الاثنين.  فالح يتعرف على شاهر صاحب عمله وهو راضي القديم، ويعلم أن زائره في الخزانة هو حالم المنشا كاتب الرواية، التي كان خطأ راضي حين غادر العالم الموازي، إنه، بخلاف التعليمات الصارمة، أخذ معه شيئاً منه، كان ذلك رواية حالم المنشا، التي لا يعلم فالح ولا غيره كيف تسربت إلى حياته الخاصة. نهاية القصة لا صلة لها بأولها. هي عود إلى الواقع، بل من بعيد إلى الحرب الأهلية في سورية. انفجرت سيارة مفخخة في السوق حيث كان فالح، فقذفه الانفجار وغاب عن وعيه، لترافقه زوجته الذي كان في سوء تفاهم معها، ويتنبأ معه حالم المنشا في الرواية المقتبسة عنه، بدون سبب واضح، بأنه قتلها، الأمر الذي لم يكن فالح، رغم ما بينهما ويفكر فيه.  هناء الزوجة تبقى إلى جانب زوجها غير الواعي إلى أن يستيقظ، ومع اليقظة يتبدّد سوء التفاهم، ويعودان إلى بعضهما بعضاً. هنا تنتهي الرواية الأولى، لنجد عبد الله مجهولي، بهذا الاسم المتعمّد والغريب، وهو الروائي، حائراً أمام هذه النهاية، لكن له هو الآخر روايته عن نفسه وعن خاله. يبدأ حكايته هو الولد الذي مرض ولم يتعافَ بسرعة، لذا تركته العائلة في عهدة خاله الذي اقترح ذلك، لكن العائلة جميعها تقضي نَحبها في صدام، ليبقى وحده مع خاله، الذي في حكاية أُخرى أحبّ فتاة لم تقبل بها أمّه زوجة له لخصومة بينها وبين أمها، ولم تنجح تدخلات الآخرين في ثنيها، لكن الفتاة ما لبثت أن علمت بذلك فغضبت وسرعان ما تزوجت ابن عمها.  الخال قارىء ممتاز لكنه فوق ذلك غاوي ألغاز وصاحب ألغاز. لا يلبث أن يُتوفى وقبيل ذلك يترك لابن اخته رسالة هي عبارة عن أربعة ألغاز، على ابن الأخت أن يفكّها، سيكون ذلك مغامرة كاملة لا يتوقف فيها عن الانتقال من غرض إلى آخر ومن شيء إلى سواه عند كلّ لغز حتى يصل إلى الخاتمة، التي هي عبارة عن رسالة تركها له الخال. بعد رواية السفر عبر الزمن، والتي هي نوع معروف، نصل إلى نوع آخر من القصة ليس دارجاً ولا مألوفاً. لا بد أنها مقدرة خاصة لدى الكاتب، هذه القصة عجيبة البناء عجيبة الموضوع، بناء لغز بهذه المتابعة والتسلسل، خطوة وراء خطوة، شيء لا نملك إزاءه إلا التعجّب، لو صحّت الكلمة. رواية سفر عبر الزمن أو العالم الموازي، رواية غرائبية، رواية اللغز، ما يشبه الخيال العلمي. هذا ما نفهمه من عبارة "ورشة روائية" التي بدأنا بها المقال. ورشة هي للكاتب الذي حكاية بعد أُخرى يستدرّ قدرته على السرد.  نحن في سياق روايته هذه، نُصادف عند كلّ شخص وكلّ موقف حكايةً جديدة أو نوعاً آخر من الرواية. العالم الموازي فالح وحالم، شاهر وآرثر وعشتار وحورية، لكلّ حكايته ولا يتوقّف دفق الحكاية إلى أن يجد الكاتب، ليس فقط حكاية اللغز بل "قصة غير مكتملة" تركها الخال الراحل عن فارس الذي، بعد مغامرات غريبة، يجلس لكتابة مذكّراته فيكتب تسعمائة صفحة، لكن الكتاب لا يكتمل، ستكمله الخادمة أم تحسين وتضيف له أجزاء، وستشتهر وتحظى بجوائز كبيرة، إلا أن الجائزة الكبرى، أظنّها نوبل، فاتتها. نحن هكذا أمام مجمع حكايا بل ومجمع روايات. عبد الخالق كلاليب مثله مثل اسمه في الرواية "عبد الله مجهولي" يريد أن يعرض قدرته على كلّ الروايات.   * شاعر وروائي من لبنان

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية