عربي
لدينا قدرة فطرية على تذكّر الأماكن وتخيّلها؛ فالإدراك والذاكرة والخيال في تفاعل دائم، وغالباً ما تستعيد ذاكرتنا المدن بكل أصواتها وروائحها وتنوّعات الضوء والظل فيها. فالتجوّل في أزقّة مدينة قديمة هو رحلة عبر مجالات حسية متداخلة: محال الحلوى في أسواق دمشق تستدعي الطفولة، وورش الدباغة في القاهرة تستحضر الجلد والطبيعة، أما شفشاون ومدن البحر فتمزج رائحة الماء باليابسة، ولا يمكن استحضار إسطنبول من دون قطط شوارعها. هكذا يصبح لكل مدينة صدى يعرّف ألفتها ويمنحها حضورها الخاص.
أما البيئات الحضرية المعاصرة فتميل غالباً إلى إشعارنا بالغربة، وتضعنا أمام خطر حقيقي بأن نفقد قدرتنا على الإحساس بالفضاء، مقارنةً بالتفاعل العاطفي القوي الذي تتيحه البيئات الطبيعية والتاريخية.
في نقد مركزيّة النظر
في هذا السياق يأتي كتاب المعماري الفنلندي يوهاني بالاسما "عيون الجلد" بوصفه محاجاة ضد ما يسميه "المركزية البصرية"، أي هيمنة حاسة البصر على سائر الحواس في الطريقة التي ندرك بها العالم. كتب بالاسما هذه الفكرة أولاً بوصفها مقالة ومحاضرة، قبل أن يحوّلها إلى كتاب نُشر لأول مرة عام 1996، وسرعان ما صار من كلاسيكيات نظرية العمارة، وقد صدرت طبعته الرابعة عام 2024 عن دار John Wiley & Sons، من دون أن يُترجم إلى العربية حتى اليوم.
قد لاحظ عدد من الفلاسفة أن الثقافة الغربية، منذ الإغريق، منحت البصر مكانة مهيمنة في فهم الحقيقة والمعرفة، ويُلخّص الفيلسوف بيتر سلوتردايك هذا الإرث بقوله: "العينان هما النموذج العضوي الأول للفلسفة، ومكمن لغزهما أنهما لا تريان فقط، بل تستطيعان أيضاً أن تريا نفسيهما وهما تريان".
نرى المدن والطعام والجسد عبر طبقة مصفّاة من الضوء واللون
ولعلّ هذا الانحياز البصري لم يكن أكثر حضوراً مما هو عليه في العقود الثلاثة الأخيرة، في عالم تتوسطه الشاشات والخوارزميات والواقع المعزَّز. فقد صرنا نرى المدن والطعام وأجساد الناس عبر طبقة مصفّاة من الضوء واللون، وننتج تبعاً لذلك عالماً متمركزاً حول البصر، بحيث تصبح الصورة الإطار شبه الحصري الذي نفهم من خلاله المباني والمدن.
في المقابل، ينطلق بالاسما من قناعة أن الجسد الإنساني يوجد في العالم المادي ويختبره عبر حواسه الخمس كلها: البصر، السمع، الشم، التذوّق، اللمس. وأن اشتغال هذه الحواس مجتمعة هو ما يجعل الجسد نقطة المرجع والذاكرة في المكان والزمان. وإذا ما طغت إحدى هذه الحواس على غيرها، فإن تمثيلاً مشوّهاً أو جزئياً للعالم سيُقترح علينا، بحيث لا نعود قادرين على تجربة وجودنا فيه بشكل كامل وحقيقي. ويصف بالاسما تجربته في المدينة قائلاً: "أواجه المدينة بجسدي؛ ساقاي تقيسان طول الرواق وعرض الساحة، ونظري يُسقِط جسدي لا شعورياً على واجهة الكاتدرائية، حيث يجول فوق الحليات والخطوط، متحسّساً أحجام التجاويف والبروزات، ووزن جسدي يلاقي كتلة باب الكاتدرائية، وتمسك يدي بمقبض الباب وأنا أدخل الفراغ المظلم خلفه. أختبر نفسي في المدينة، والمدينة توجد عبر تجربتي المتجسّدة، المدينة وجسدي يكمّل أحدهما الآخر ويعرّفانه، أسكن المدينة وتسكنني المدينة".
حواسنا المنسيّة
في محاولة لتبسيط النظام المعقّد للإدراك الإنساني للفضاء، يناقش بالاسما فكرة أن كل الخبرات الحسية هي في جوهرها طرائق للمس. مستشهداً بعالم الأنثروبولوجيا آشلي مونتاغو الذي يرى أن الجلد هو أقدم أعضائنا وأكثرها حساسية، "أمّ الحواس" التي تمايزت منها بقية الأنماط الحسية.
يفحص العلاقة بين الصورة والعمارة في سياق العصر الحديث
فالعين عضو المسافة، أما اللمس فهو عضو القرب، إذ يمكن لخشونة درابزين الدرج أو نعومته، مثلاً، أن تخلق ألفةً لا يمكن للعين وحدها أن تنتجها. حتى إن هناك تطابقاً عميقاً بين الجلد العاري والإحساس بالبيت، فخبرة البيت في جوهرها تجربة دفءٍ حميم، بل إن الإدراك البصري ذاته مندمج في متصل لمسي؛ فالرؤية تكشف أحياناً ما يعرفه اللمس مسبقاً، وكأن اللمس هو اللاوعي الخاص بالبصر.
أما الحواس الأخرى، خصوصاً السمع والشم، فهي تعيد إلى الفضاء بُعده الزمني والوجداني. يرى بالاسما أن الصوت "يضمّ" الفضاء، فهو متعدد الاتجاهات، يصوغ التجربة ويمنحها بنية، حتى لو بقي الإدراك الصوتي خلفيةً لاواعية لها. غير أن كثيراً من المدن الحديثة، بفضاءاتها الواسعة وموادها الماصّة للصوت، فقدت أصداءها المميّزة. كما أعمتنا الموسيقى المبرمجة في كل مكان عن التقاط الصمت العميق الذي تستطيع العمارة أن تمنحه للمكان.
أعمتنا الموسيقى المبرمجة في كل مكان عن التقاط الصمت العميق
أما الشم فيستدعي الذاكرة والأماكن في وعينا بقوة أكبر من الحواس الأخرى، ولهذا غالباً ما تكون الذاكرة الأكثر ثباتاً لمكان ما هي رائحته. قد تختفي تفاصيل بيت الطفولة من ذاكرتنا، لكن رائحة قهوة الصباح أو رطوبة الساحة بعد المطر قادرة وحدها على استدعاء البيت، بمن فيه ومن سكنه، في لحظة واحدة "أن يسكن الإنسان في قارورة عطر، بيتنا كان تلك القارورة"، هكذا وصف نزار قباني منزل طفولته.
من هيمنة الصورة إلى عصر النعومة
يفحص بالاسما العلاقة بين الصورة والعمارة في سياق العصر الحديث، الذي تميّز بتسارع غير مسبوق في إيقاع الحياة والتطور التكنولوجي، ويرى أننا، في حضرة "أمطار متواصلة من الصور"، أصبحنا نعيش على نحو متزايد في حاضر دائم مسطّح، بفعل السرعة والتزامن.
وبما أن جزءاً أساسياً من هيمنة العين يفترض وفرة الضوء، يناقش بالاسما أهمية الظلال، فتعاقب الضوء والظل في شوارع دمشق القديمة، مثلاً، أكثر غموضاً ودعوة من فضاءات مراكز التسوق الحديثة في دبي، المضاءة بانتظام. تمنح الظلال الفضاء عمقاً حسياً لأنها "تُضعف حدّة الرؤية وتجعل العمق والمسافة ملتبسَين"، أما الفضاءات المضاءة بالتساوي وبشدة فتشلّ الخيال.
نعيش على نحو متزايد في حاضر دائم مسطّح، بفعل السرعة والتزامن
يمكن قراءة هذه المقارنة أيضاً في ضوء ما يسميه الفيلسوف الكوري-الألماني بيونغ-تشول هان "عصر النعومة". ففي كتابه خلاص الجمال يشرح هان هذا التحول مستحضراً التمييز بين الإيروتيكا، بغموضها وما تتركه من مسافة للإيحاء والخيال، وبين البورنوغرافيا بوصفها كشفاً مباشراً وإشباعاً فورياً. وبالطبع لم تبقَ العمارة، بوصفها فناً يعبّر عن علاقة الإنسان بالمكان والزمان، خارج منطق ما يسميه هان "البورنوغرافيا الثقافية"، حيث يُعرّى كل شيء ليُعرض فوراً ويُستهلك.
* كاتبة سورية في ألمانيا
