عربي
لا تخفى على أحد أزمة عالمنا المعاصر وتحدّياتها الكبرى، وفي مقدمتها ما باتت تُعرف بـ"أزمة فقدان المعنى"، وهو التوصيف الراقي لفكرة "عصر التفاهة" بوصفه نتاجاً لأفكار ما بعد الحداثة وفلسفتها وتصوّراتها، التي أصبحت اليوم تقود العالم كله نحو ما يشبه الانتحار الحضاري، متراجعةً عن قيم الحداثة وأدواتها ومفاهيمها الناظمة. وكلها تعكس حالة الانحدار التي تتجه إليها الحضارة الإنسانية المعاصرة، والغربية تحديداً، بعد أن قُدِّمت طويلاً ذروة ما يمكن أن يبلغه الإنسان وفق نسق الحضارة الليبرالية الغربية وحدها، باعتبارها "نهاية التاريخ".
وفي خضم اضطرابات هذه الأزمة وبداياتها، كان هناك من يستشعر مصيرها، ويرى، بوضوح، مآلها البعيد، حيث تمضي الحضارة الغربية المعاصرة بهيمنة نموذجها التفسيري العلماني على كل شيء، وفي جوهرها هيمنة المنظور الغربي الذي فرض نموذجه المعرفي وأطر مفاهيمه الحاكمة والتفسيرية في جميع حقول المعرفة الإنسانية والعلمية.
نحن اليوم أمام انكشافٍ كبيرٍ ومآلات خطيرة آلت إليها الحضارة الغربية، مع مؤشّرات فشلها الواضحة التي تسيطر على مستقبل الغرب وحضارته، وكل من سار على نهج نموذجه واندمج فيه سيصل حتماً إلى النتيجة نفسها: فشل النموذج الغربي، الذي بنى تصوراته للعالم انطلاقًا من مركزية العقل الغربي ونظرته المحدودة بسيادة العقل الأبيض وتفوّقه، وتبعية بقية العالم له.
لا يكاد العطاس يُعرف في العالم العربي إلا لثلة قليلة من المتخصّصين في الدرس الفلسفي أو المهتمين بمشروع النهوض الحضاري الإسلامي
من هنا انطلقت أصواتٌ اقتربت من الغرب، فتبصرت هذا المآل، في مقدمتها وأبرزها في العالم الإسلامي، سيد محمد نقيب العطاس، الذي درس في الأكاديميات الغربية، وتشرَّب ثقافتها ومناهجها المعرفية، واطّلع على بنية العقل المعرفي الغربي، وكيف يفكر الغرب، وكيف يريد الآخرين خارج حدوده الجغرافية أن يفكّروا ضمن إطار مركزيته ورؤيته للعالم... كان العطاس من القلة الواعية أن العالم الإسلامي أسير دائرة التبعية الغربية، وأن أخطر مظاهرها التعليم الغربي ومناهجه التي فرضها الغرب في مدارس العالم الإسلامي والعالم أجمع؛ تعليم يقوم على مركزية الغرب وتفوّق العقل الأبيض وسيادته، فلا يرى للآخرين أي ميزة، وعليهم التبعية في كل شيء. ولذلك رأى نقيب العطاس ضرورة تحرير المفاهيم السياسية والمعرفية اليوم، خصوصاً التي جاء بها الغرب، كالديمقراطية والقومية والاشتراكية والدولة الوطنية الحديثة، وكلها مفاهيم صاغها الغرب، وأحدثت إرباكاً كبيراً لدى المثقفين المسلمين، وهي مفاهيم علمانية لا تتوافق مع نسق الحضارة الإسلامية الثقافي والروحي، ما يتطلب إعادة النظر فيها.
واعتبر أن الديمقراطية، منتجاً غربياً ليبرالياً، قد تتعارض مع قيم المجتمعات المسلمة، إذ تهدف إلى مساواة مطلقة تتجاوز التمايز الطبيعي، خصوصاً في مجالات العلم والمعرفة. وهي لا تتوافق مع نظريته في الأدب، القائمة على مراعاة مقامات الإنسان من حيث المعرفة والعلم والاطلاع والإنتاج والمكانة؛ أمور لا تعيرها الديمقراطية الليبرالية اهتماماً أو وزناً. وفي مجال التعليم، له رؤية متكاملة ترى أن التعليم لا يقتصر على نظرية المعرفة فحسب، بل يشمل نظريات أخرى كالأخلاق. لذا يجب تصميمه ليتناسق مع خصائص الإنسان: التناسق بين الأفكار والأفعال، الغريزة والمنطق، العاطفة والشعور، عمق المعرفة وجمال الخصائص. فالتعليم عند العطاس، إن لم يركز على هذه الخصائص، فلا قيمة له في الإسلام. ومن ثم، لا ينحصر مفهوم المعرفة والتعليم في تحصيل المعلومات والقدرة على الشرح والتحليل، بل يمتد إلى ربط هذه المعارف بالخالق، ومدى موافقتها للحقيقة، ومراعاتها للأخلاق والمسؤوليات الإنسانية والروحية. والتعليم هو أهم روافد الهوية الثقافية والدينية للمجتمعات.
سيد محمد نقيب العطّاس (1931- 2026)، العربي الأصيل بانحداره من أصل يمني حضرمي، وافته المنية في 8 مارس/ آذار الجاري، بعد رحلة عطاء علمي طويلة، متنقلاً بين جامعات العالم ومراكزها ومؤتمراتها شرقاً وغرباً، ما جعله يمتلك تجربة فلسفية ثرية وعميقة في مشواره العلمي والتعليمي. يُعد من أبرز الفلاسفة المسلمين المعاصرين، جمع بين التعليم الإسلامي التقليدي والتعليم الغربي في أرقى جامعاته، وترك تراثاً غزيراً في الفكر الإسلامي والتصوف والحضارة الإسلامية.
ومع ذلك، يبقى غريباً أن العطّاس، رغم حضوره الكبير في مشارق الأرض ومغاربها، لا يكاد يُعرف في العالم العربي إلا لثلة قليلة من المتخصّصين في الدرس الفلسفي أو المهتمين بمشروع النهوض الحضاري الإسلامي. والأغرب أن تركته الكتابية لم تُترجم منها إلى العربية إلا القليل القليل.
كان سيد محمد نقيب العطاس مشغولاً بفكر النهضة، وقدّم مقاربات فلسفية عديدة، أبرزها فكرة "إسلامية المعرفة"، الفكرة المركزية في مشروعه
كان الرجل مشغولاً بفكر النهضة، وقدّم مقاربات فلسفية عديدة، أبرزها فكرة "إسلامية المعرفة"، الفكرة المركزية في مشروعه، التي تقرّر أن لا مشكلة في الإسلام بين العلم والعقل، وإنما الإشكال في المنظور المادي للعلاقة بينهما، ونزع البعد الغيبي والروحي، أي طغيان المنظور المادي في تفسير الظواهر العلمية، ونفي البعد الروحي الإيماني عن العلم.
رأى العطّاس ضرورة تحرير المفاهيم وتطهيرها من الرؤية العلمانية المجرّدة التي تجرّد المفاهيم عن سياقاتها الدينية والثقافية، مؤكداً أن أزمة العالم الإسلامي ليست سياسية فحسب، بل معرفية في جوهرها، تتمثل في سطوة المنظور الغربي في تشكيل المفاهيم المعرفية والفلسفية وتصديرها مسلماتٍ غير قابلة للجدل.
كان العطّاس مدركاً أهمية التعليم في بناء المجتمعات وصياغة قيمها وفقاً لنسقها الفكري والروحي والثقافي ومن ثم إعادة بناء منظومة تعليمية نابعة من النسق المعرفي الإسلامي، وهو ما دفعه إلى تبنّي العديد من مشاريع أكاديمية كالمعهد الدولي للفكر والحضارة في كوالالمبور، وتجربة هذا المعهد الفريدة من حيث الشكل الهندي له ومحتواه التعليمي والأكاديمي. وقد ساهم أيضاً بدور كبير في تأسيس جامعات وكليات ومراكز علمية في ماليزيا وغيرها.
رحم الله سيد محمد نقيب العطاس. نحتاج إلى إعادة اكتشافه، وترجمة مؤلفاته إلى العربية، والاستفادة من تجربته وتأملاته ومسيرته العلمية الزاخرة. فهو الذي جمع بين شتى حقول المعرفة الإنسانية، ناظراً إليها من خلال تجربته الفريدة التي توفّق بين التحصيل العلمي التقليدي على الطريقة الإسلامية الكلاسيكية والطريقة الغربية الحديثة، ما يجعل تراثه حالة خاصة تتسم بالعمق وسعة الاطلاع وتنوع التجارب.
