لبنان: نهاية وطن
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تُعرّض حرب الإسناد الثانية التي دخل فيها حزب الله بانضمامه إلى المعركة العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية لبنان لخطر الزوال وطناً وملاذاً ومكاناً للعيش الآمن. دخلت الهجمات الإسرائيلية ردّاً على مشاركة حزب الله في قصف الجبهة الداخلية الإسرائيلية مرحلة حاسمة من العنف والتصعيد، والجيش يهدّد اليوم باحتلال جزء كبير من جنوب نهر الليطاني، وإنجاز المهمّة التي يرى أن الجيش اللبناني فشل فيها، أي إنهاء الوجود العسكري لحزب الله في هذه المنطقة، ذلك كله يعرّض لبنان لاحتلالات إسرائيلية جديدة تهدّد وحدة أراضية ووجوده وطناً جامعاً لكل أبنائه للخطر. في هذه الأثناء، يدفع أكثر من أربعة ملايين لبناني ثمن الحرب الجديدة التي أقحمه بها حزب الله، موتاً ودماراً وتهجيراً، والثمن الأكبر تدفعه الطائفة الشيعية، الخزّان الشعبي لحزب الله التي ترى نفسها بعد 15 شهراً فقط على انتهاء حرب الإسناد الأولى، في أتون حربٍ جديدةٍ لا ترحم. سبّبت الحرب، في هذه المرّة، ظهور تصدّعات في النسيج الاجتماعي اللبناني، نتيجة احتكار حزب الله قرار الحرب وجرّ اللبنانيين كلهم إلى المجهول، والتحكّم في مصائرهم. بينما تبدو الدولة اللبنانية غارقة تحت ضغط الأزمات المتلاحقة، في ظل العجز عن الرد على العدوان الإسرائيلي المجرم على حياة الناس وعلى الأرض والسيادة. ومن جهة أخرى، في ظل تمرّد حزب الله على إرادة الدولة ورفضه قرارها عدم الانخراط في المواجهة العسكرية الدائرة. حاول الرئيس اللبناني جوزاف عون إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بالدعوة إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، لكن هذه الدعوة بدلاً من أن تفتح أبواب الخلاص فاقمت الانقسام الداخلي، ولم تلق رداً من الطرف الإسرائيلي. وضعت مشاركة حزب الله في الحرب الدائرة اللبنانيين أمام حقيقة مرّة ومؤلمة، وتبعث على اليأس المطلق، أن الحزب وضع مصلحة الحرس الثوري الإيراني في الدفاع عن بقاء النظام في إيران قبل مصلحة الشعب اللبناني. "درع لبنان" تحوّل إلى "مدمّر لبنان"، وستكون تداعيات الحرب الدائرة على مصير لبنان وطناً كارثية. يستنسخ الإسرائيليون نموذج غزّة في لبنان باستخدام أسلوب التدمير الشامل والتهجير هل يُعقل أن يعيش اللبنانيون بعد 15 شهراً حرباً إسرائيلية مدمّرة جديدة ؟ كيف يمكن لسكان الجنوب والضاحية الجنوبية في بيروت أن يتحمّلوا من جديد رؤية تدمير منازلهم وأحيائهم وقراهم؟ ومن أين لهم أن يتحمّلوا مجدّداً مأساة النزوح والتهجير؟ لبنان الوطن والشعب يقف وحيداً عاجزاً بين القرار الانتحاري لحزب الله في الدخول في الحرب إلى جانب إيران وغطرسة الجيش الإسرائيلي وعنفه. يبدأ هذا الجيش بعد المقتلة التي ارتكبها في قطاع غزّة مقتلة أخرى ضد المدنيين اللبنانيين. من يتابع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين وتحليلات المعلقين يقع على دعوات إلى ارتكاب جرائم حرب، مثل ضرورة استهداف السكان الشيعة بحرمانهم من الكهرباء والمياه، تماماً مثل الدعوات الإسرائيلية في بداية الحرب على غزّة. وبهذه الطريقة، يعتقد جهابذة المحللين في دولة الاحتلال أن هذا سينجح في إيجاد فجوة بين الجمهور الشيعي وحزب الله، وكأنهم لم يتعلموا الدرس من غزّة ومحاولاتهم قتل المدنيين وتهجيرهم للضغط عليهم لإبعادهم عن حركة حماس. والنتيجة أن جميع هذه المحاولات الإسرائيلية فشلت، والدليل أن "حماس" حالياً هي الجهة الوحيدة التي تسيطر على الجزء الجنوبي من القطاع وتدير حياة المدنيين هناك، وما تزال تحتفظ بسلاحها، ورغم احتلال إسرائيل شمال القطاع وتهجير سكانه والقتل والدمار، ليس هناك جهة قادرة اليوم على نزع هذا السلاح بالقوة... ألا يشكّل هذا درساً كافياً للجيش الإسرائيلي، عندما يفكر في أن يقوم هو بمهمة نزع سلاح حزب الله في جنوب الليطاني؟ يستنسخ الإسرائيليون نموذج غزّة في لبنان، باستخدام أسلوب التدمير الشامل والتهجير وإفراغ منطقة كاملة في جنوب لبنان من سكانها والتوسّع عسكرياً وقضم الأراضي اللبنانية تدريجياً، في ما يبدو محاولة إسرائيلية لإقامة حزام أمني جديد بصيغة مستحدثة، أي بسيطرة عسكرية عن بعد لتجنب الغرق في"الوحل اللبناني". وهم يظنّون أنهم يخلقون، وفق ما يقولونه، "واقعاً أمنياً جدّياً". بينما ما يفعلونه في الحقيقة تقويض لبنان وطناً ودولة وشعباً وإعادة تكرار تجربة "حزام أمني" مستحدَث هذه المرّة مع مناطق خالية من السكان ورقابة عسكرية مكثفة عن بعد، وتجنب الوجود البرّي للجيش الإسرائيلي، كي لا يتحولوا إلى أهداف لهجمات حزب الله. وفي الواقع، إذا حققت إسرائيل تهديداتها، وقامت بعملية برية واسعة في لبنان، واحتلت جنوبي منطقة نهر الليطاني، فإنها تكرر تجارب عسكرية فاشلة سابقة. لا حل عسكرياً إسرائيلياً لمشكلة سلاح حزب الله، تماماً مثلما لم يؤدِّ عامان من المعارك في قطاع غزة إلى التوصل إلى حل نهائي وقاطع لمشكلة سلاح "حماس". الحلول العسكرية الإسرائيلية لهاتين المعضلتين تعني أمراً واحداً، المزيد من القتل والتشريد والدمار للفلسطينيين في غزة واللبنانيين في لبنان كله. إنها استراتيجية إسرائيل من أجل إيجاد أحزمة دمار وموت بالقرب من حدودها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية