الرصاصة الواحدة تقتل اثنين
عربي
منذ ساعة
مشاركة
عنوان المقال عبارة قالها الشاعر الإسباني، فيديريكو غارثيا لوركا، الذي قُتل برصاص مليشيات الفالانخا التابعة لقوات فرانكو العسكرية، في مكانٍ مجهول عام 1936، ويقال إنّ رفاته قد يكون في واحدة من المقابر الجماعية لضحايا فاشية فرانكو، الذين يُقدّر عددهم بـخمسمائة ألف شخص، وفي العام 2008، استجاب أحد القضاة لنداء ذوي من فُقدوا فأمر بفتح هذه المقابر بحثاً عن جثث أقاربهم الضحايا. وقصد لوركا أن الرصاصة الواحدة تقتل من استهدفته ومن أطلقها أيضاً، والحقّ أنّها تقتل سواهما كثيرين من الأبرياء ممن لا شأن لهم بالحرب التي أطلقت فيها. الكاتب الأميركي إرنست همنغواي الذي عايش الحرب الأهلية الإسبانية، حيث عمل مراسلاً صحافيّاً فيها، وشهد معاركها القاسية، ومن وحي أجوائها كتب بعض رواياته، منها "لمن تُقرع الأجراس" و"وداعاً للسلاح"، قال: "لا تظنّ أبداً أنّ الحروب، مهما كانت ضرورية أم مبرّرة، ليست جريمة"، متحدّثاً عما وصفها "لعنة الحروب" التي تحوّل من يخوضون غمارها إلى كائنات من دون مشاعر أو طموح". جاء في رسالةٍ وُجدت في جيب أحد الجنود الذين قتلوا في إحدى الحروب: "عندما تنتهي الحرب سنتزوّج، وتنبت الأرض زهوراً تشبهك...". لا نعلم إذا كان الجندي الشاب نفسه من كتب هذه العبارة عن نفسه، ممنّياً إياها بأن تنتهي الحرب سريعاً، ويعود إلى بيته، ويتزوج الفتاة التي يُحبّها وتنتظره، أم أنّ والدته أو والده، أو أحد أصدقائه بعث له هذه الرسالة ليرفع من معنوياته، وهو في معترك القتال، في حربٍ ربما لا تكون تعنيه في شيء، وإنما شُنّت لأنّها تخدم مصالح من أشعلوها، فمن يطالبون بالمزيد من الدماء والانتقام هم أنفسهم ممن لم يطلقوا فيها رصاصة واحدة. لم تتحقق أمنية الشاب. لم يعد إلى بيته حيّاً ولم يتزوج ولم ير الأرض تنبت زهوراً تشبهه. قُتل، وأعيد إلى أهله جثة. مثل هذا الشاب مئات الآلاف، بل الملايين من الشبان، وغير الشبان أيضاً بمن فيهم نساء وأطفال، قتلوا في حروبٍ أشعل نيرانها الهمج من البشر عبر التاريخ. لم تكن الحرب يوماً نزهة. ما من حربٍ لا تخلّف جثث قتلى وعاهات دائمة في الأجساد ومدناً مدمّرة وحطاماً، وأنهراً من الدماء. لدى البشرية ما يكفي من المعلومات عن تاريخ الحروب، التي لم ينجُ منها جيل، فحتى لو لم تكن هذه الحرب على أرض البلاد التي يقيم فيها الشعب المعني، فإنها تندلع في الجوار منه، وتصل شظاياها إليه، وإنْ قُدّر لجيلٍ من الأجيال أن يكون محظوظاً فينجو من ويلات الحرب وفظائعها، فإنّه قد يرث ذاكرة حروبٍ سابقةٍ عاشها الأسلاف، الأجداد وحتى الآباء. وما أكثر البلدان والشعوب التي وجدت نفسها محمولةً على خوض حروبٍ دفاعاً عن أمنها أو استعادة أراضٍ سلبت منها بالقوة والاحتلال، وما من حربٍ تشعل من أجل الحرب نفسها. في أية حربٍ، فتش عن الأسباب، الاقتصادي منها والجيوسياسي وما إلى ذلك. وحين تندلع هذه الحروب، يلزم تشغيل منظومة كاملة رديفة، من الحروب الإعلامية والنفسية، وإيقاظ الكراهيات والحساسيات القومية والدينية والعرقية، أو حتى ابتكارها وافتعالها بغية تزييت تلك الحروب بما تحتاج إليه من وقود، فيصبح الإخوة أعداءً، لتبدو الحربُ في نظر عامّة الناس مشروعة ومبرّرة. أليس واقعنا العربي الراهن، في عقوده القليلة الماضية، شاهداً بامتياز على ذلك كله؟ حين يسوق تجار الحروب، وكثيرون منهم من خارج الحدود، ويدافعون عن مصالح أجنبية مختلفة، شعوباً بكاملها نحو نيران الحروب، التي تحرق ما تحرق وتقتل من تقتل، وتُهجر من تهجر، وها نحن في بلداننا الخليجية نعيش أجواء حربٍ فُرضت علينا باستهداف أراضي بلداننا ومرافقها الحيوية بضربات إيرانية؟ ونحن نستفظع الحروب وما تجرّه من مآسٍ، نُعيد ما قاله توفيق زيّاد: "أكرهُ سفك الدم وصفّارات الإنذار/ أكرهُ أنْ تبكي أمٌّ أو زوجة/ أنْ يتوجّع طفلٌ أو طفلة/ أكرهُ أنْ تسقط قنبلةٌ فوق الطرقات/ أو في ساحة بيتٍ آمن". ... ونقول ما قاله ديستوفسكي: "نحتاج إلى حربٍ جديدة أسلحتها الكتب، وقادتها أهل الفكر، وضحاياها الجهل والتخلف".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية