عربي
بينما يشهد الاقتصاد العالمي تحولات عميقة في توزيع الثروة، يتجه سوق الفن العالمي إلى مرحلة إعادة تشكيل تتجاوز مجرد تقلبات الأسعار أو تغيّر العرض والطلب. ففي العقود المقبلة، يُتوقع انتقال ما يزيد عن 83 تريليون دولار بين الأجيال، وهي عملية يصفها الاقتصاديون بـ"الانتقال الكبير للثروة"، وهي أيضاً ظاهرة مرشحة لإعادة رسم خريطة الاقتناء الفني عالمياً.
يشكّل هذا التحول أحد المحاور الأساسية في تقرير سوق الفن العالمي الصادر عن "آرت بازل" وبنك الاتحاد السويسري "يو بي إس"، الذي أعدته الاقتصادية الثقافية كلير ماكأندرو، عبر مؤسسة "آرت إيكونوميكس". ويشير التقرير إلى أن انتقال هذه الثروة إلى أيدي مقتنين أصغر سناً وإلى النساء قد يؤدي إلى تغيّر ملموس في أنماط الاقتناء الفني وفي الذائقة الثقافية التي توجه السوق.
في هذا السياق، ورغم التوترات الجيوسياسية المتزايدة والاضطرابات الاقتصادية التي تمتد من تداعيات الحروب إلى آثار جائحة كورونا على المؤسسات الثقافية، عاد سوق الفن العالمي إلى النمو خلال عام 2025 بعد عامين من التراجع، إذ بلغت قيمة المبيعات نحو 59.6 مليار دولار، بزيادة قدرها 4% مقارنة بالعام السابق. ويعكس هذا النمو تحسناً متزامناً في نشاط كل من صالات العرض والمزادات، فقد ارتفعت مبيعات التجار بنسبة 2% لتصل إلى 34.8 مليار دولار، في حين سجلت المزادات العلنية نمواً بنسبة 9% لتبلغ قيمتها 20.7 مليار دولار. في المقابل، تراجعت المبيعات الخاصة بنسبة 5% لتستقر عند أقل قليلاً من 4.2 مليارات دولار.
انتقال الثروة إلى أيدي مقتنين أصغر سناً يؤدي إلى تغيّر في أنماط الاقتناء الفني وفي الذائقة الثقافية
وعلى مستوى الجغرافيا الاقتصادية للفن، لا تزال الولايات المتحدة الأميركية تتصدر السوق العالمية بحصة بلغت 44% من إجمالي المبيعات، بقيمة سوق تقارب 26 مليار دولار، تليها المملكة المتحدة بنسبة 18%، ثم الصين بنسبة 14%، بينما سجلت فرنسا نمواً ملحوظاً بلغ 9% لتصبح أكبر سوق فنية داخل الاتحاد الأوروبي.
في بقية الأسواق الأوروبية، كان الأداء متبايناً، مع نمو لدى سويسرا والنمسا بنسبة 13% لكل منهما وإسبانيا بنسبة 6%، بينما تباطأت المبيعات في ألمانيا وإيطاليا، فشهدت الأولى انخفاضاً بنسبة 10% والثانية 2%. أما في آسيا، فقد سجلت اليابان انخفاضاً بنسبة 1%، بينما ارتفعت المبيعات في كوريا الجنوبية بنسبة 6%.
غير أن الأثر الأكثر عمقاً لانتقال الثروة بين الأجيال يتجلى في التحولات التي تشهدها الذائقة الفنية داخل سوق الفن العالمي. فالمقتنون الجدد، الذين نشأوا في بيئة رقمية وثقافية مختلفة عن الأجيال السابقة، يميلون إلى الاهتمام بأشكال فنيةٍ تجمع بين الفن والتكنولوجيا، مثل الأعمال التركيبية متعددة الوسائط والتجارب الفنية القائمة على البرمجيات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الأعمال التي توظف البيئات التفاعلية والصورة الرقمية. ويشير هذا التحول إلى توسع مفهوم العمل الفني نفسه، إذ لم يعد يقتصر على اللوحة أو المنحوتة، وصار يشمل فضاءاتٍ بصرية وتجارب حسية تعتمد على الوسائط الرقمية والأنظمة التفاعلية.
ما تزال القطاعات الكلاسيكية تحتفظ بحضورٍ قوي داخل المزادات الكبرى
ومع ذلك، لا تزال القطاعات الكلاسيكية تحتفظ بحضورٍ قوي داخل المزادات الكبرى. فقد ظل فن ما بعد الحرب القطاع الأكبر بحصة 31% من إجمالي المبيعات، يليه الفن الحديث ثم فن الانطباعيين وما بعد الانطباعيين فالفن المعاصر ثم أعمال الأساتذة القدامى.
ويشير التقرير أيضاً إلى استمرار تعزيز حضور الفنانات في السوق الأولي، إذ بلغت نسبة تمثيلهن نحو 50% من الفنانين في صالات العرض، بينما شكلت أعمالهن نحو 37% من قيمة المبيعات. ويستمر قطاع المعارض الفنية الدولية في لعب دورٍ أساسي في تنشيط السوق، إذ ارتفعت حصتها من مبيعات صالات العرض إلى 35% وهو أعلى مستوى منذ عام 2022، مع تصاعد أهمية المبيعات في المعارض الخارجية التي شكّلت نسبة تعدت 60% من إجمالي مبيعات المعارض مقابل 37% للمعارض المحلية.
وتظهر التوجهات المستقبلية في سوق الفن العالمي علامات التفاؤل للعام 2026، إذ أفاد 43% من التجار بأنهم يتوقعون تحسن المبيعات، بينما يرجح 38% منهم استقرارها، ويقدر 19% منهم احتمال تراجعها، بحسب التقرير. كما أبدت دور المزادات المتوسطة تفاؤلاً متزايداً، في حين انخفضت توقعات الأداء الضعيف مقارنة بالعام السابق.

أخبار ذات صلة.
سوموديكا: الأمر صعب
الشرق الأوسط
منذ 9 دقائق