البحث المتواصل عن مارسيل بروست
عربي
منذ ساعة
مشاركة
حملة واسعة لاقتناء مجموعة كبيرة من المخطوطات والرسائل والوثائق المتّصلة بالكاتب الفرنسي مارسيل بروست، أطلقتها "المكتبة الوطنية الفرنسية" في باريس. تضمّ المجموعة أكثر من تسعمائة قطعة كانت محفوظة لدى ورثة ابنة أخيه سوزي مانت-بروست، في خطوة تهدف إلى استكمال ما تملكه المكتبة من مقتنياته. "الليلة الماضية كتبتُ النهاية. الآن أستطيع أن أموت". هذا ما تلفَّظ به مارسيل بروست قبل فترة وجيزة من رحيله، وهذا ما نقلته عنه خادمته المخلصة سيليست ألباريه في مذكّراتها. تقول إنّها دخلت إلى غرفته ذات صباح، واستقبلها بهذه العبارة، وكان "مبتسماً، بعينين لامعتين". وهكذا يكون قد أنهى كتاب حياته، الكتاب الذي من أجله وُلد وعاش. ومع ذلك، ظلّ يكتب ويصحّح حتى اللحظة الأخيرة. عشيّة وفاته، كان يملي على سيليست إضافات وتصحيحات. ثمّ قال لها: "أنا متعب جداً… لنكفّ عن العمل الآن". لكنه "تابع الكتابة لبعض الوقت رغم صعوبة التنفّس". كما تروي أنه قال لها أيضاً: "لا تطفئي الضوء… أريد أن أرى". ومنذ ذلك الحين، دأبت "المكتبة الوطنية الفرنسية" على اقتفاء أثر بروست وجمع كلّ ما يتعلّق بحياته ونتاجه، تماماً كما تفعل الآن للحصول على وثائق نادرة تتضمّن أكثر من 300 مسوّدة لها صلة برواية "البحث عن الزمن المفقود"، إضافة إلى قصائد ونصوص فلسفية، وأعمال مدرسية، ومسرحية قصيرة كتبها في الثالثة عشرة، وأجزاء غير منشورة من روايته المبكرة وعنوانها "جان سانتوي"، ورسائل شخصية. وهذا ما يبيّن أنّ مشروعه الأدبي لم يبدأ فجأة، بل كان مساراً طويلاً منذ المراهقة.  يُكشف عن قصائد ونصوص فلسفية ومسرحية كتبها في الثالثة عشرة ولئن اهتمّت "المكتبة الوطنية الفرنسية" بهذا الأرشيف الذي تقدَّر قيمته بنحو7.7 ملايين يورو، ودعت إلى المشاركة في جمع التبرّعات من أجله، فذلك لكي تحظى بالجزء الأكبر من تراث بروست وتضعه في مكان واحد، منعاً لتشتّته في المزادات العلنيّة، وهو أكبر أرشيف معروف عالميّاً لكاتب عاش بين القرنين التاسع عشر والعشرين. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، لتسمح للباحثين بفهم أدقّ وأعمق لعملية كتابة تحفته الأدبية، وتتبّع تطوّرها من المسوّدات الأولى إلى الشكل النهائي.  تُظهر المخطوطات الجديدة أنّ بعض فقرات الرواية مرّت أحياناً بأكثر من عشرين تعديلاً، فقد كان بروست يشطب كلمات وعبارات، ويضيف جملاً طويلة في الهوامش، تتوالد وتتناسل ضمن إيقاع مُحكَم. وهذا يعني أنّ العبارة التي تبدو للقارئ طبيعية، متدفّقة ومتوازنة في انسجامها مع النسيج العامّ للنصّ، لم تولد على هذه الصورة، بل كانت ثمرة صبر طويل، وذاكرة يقظة، وعمل دؤوب على اللغة. وتكشف هذه المخطوطات أيضاً أنّ فكرة الذاكرة لم تظهر منذ البداية بوصفها فكرة مكتملة أو واضحة المعالم، بل تشكّلت تدريجيّاً، ونمَت مثل كائن حيّ داخل هذا العمل الذي كان في جزء كبير منه إعادة تركيب للحياة الاجتماعية في باريس. ومن ثمّ لا تبيّن الصفحات المخطوطة فقط ما كتبَ بروست، بل تكشف أيضاً كيف تحوّل تفكيره في أثناء الكتابة، وكيف أخذ العمل يكتمل تدريجيّاً حتى بلغ تماسكه النهائي. تؤكّد هذه الوثائق علاقة بروست المعقّدة بدور النشر تؤكّد بعض هذه الوثائق أيضاً على علاقة بروست المعقّدة بدور النشر، إذ توجد رسائل وعقود تُظهر مدى الصعوبة التي واجهها في نشر الجزء الأول من روايته. فدور النشر كانت متردّدة، كدار غاليمار التي رفضت التعامل معه، قبل أن تعود إليه في وقت لاحق، وفي النهاية اضطرّ بروست إلى تمويل نشر الجزء الأول بنفسه. وهذا يعني أنّ أحد أعظم أعمال الأدب الحديث ما كاد يُنشر أصلاً. يقول الراوي، في الجزء الأوّل من "البحث عن الزمن المفقود"، "إننا نصنع حياةً من أجل شخص واحد، ننتظره طويلاً، لكنه لا يأتي حين يصبح كلّ شيء جاهزاً لاستقباله". لعلّ هذه العبارة هي أيضاً مدخل جوهريّ إلى عالم بروست. وما يجعل هذه الجملة عميقة فعلاً ليس موضوع الحبّ فحسب، بل الزمن الذي يسكنها. فالزمن، عند بروست، لا يضيِّع الأشياء، بل يغيّر معناها داخلنا. وهذه الرؤية قد تحتوي البنية الكاملة للرواية، وهذا ما يؤكّده بروست، ضمن مفهومه للحبّ والزمن، في مكان آخر من كتابه حين يقول: "نحن لا نحبّ إلّا ما لا نملكه بالكامل". توفي بروست في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 1922. في صباح اليوم التالي، ذهب عدد قليل من الأصدقاء إلى شقّته لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة، ومن بينهم الشاعر والكاتب والفنان جان كوكتو، والفنان والمصوّر الفوتوغرافي مان راي، أحد روّاد الحداثة الفنية. هناك التقط صورة بروست وهو على فراش الموت، وبدا فيها وجهه هادئاً، منفصلاً عن الجسد وعن مرور الوقت، مثل أيقونة صامتة. كأنّ الزمن الذي كتب عنه طوال حياته توقّف أخيراً. واللوحة الفنية الأشهر أيضاً، وتمثّل بروست في شبابه، أنجزها صديقه الفنان جاك إيميل بلانش عام 1892، وأصبحت الصورة الأيقونية لبروست في العالم. وهي وثيقة عنه قبل تحوّله الكبير، بسبب مرض الربو الذي لازمه طويلاً وألزمه البقاء في شقّته الباريسيّة، داخل غرفة مبطّنة بالفلّين تعزله عن الضجيج، وتبعد عنه الغبار، وتحميه قدر المستطاع. في تلك الغرفة، بهدوئها المُطلق الذي يسمح للذاكرة أن تتكلّم، أمضى سنواته الأخيرة. كان يعمل في الغالب ليلاً، ويقضي ساعات طويلة في السرير يكتب أو يراجع ما كتب، ويراقب مرور الوقت، وفي داخله ظلّ الموت؛ الموت الذي نفكّر فيه، وفقَ تعبيره، "كما لو أنه مقيم في فضاء غامض وبعيد"، فيما هو "على صلة بالنهار الذي يبدأ". رواية "البحث عن الزمن المفقود" التي استغرقت كتابتها نحو أربع عشرة سنة تقريباً من العمل المكثّف، والتي بناها بروست كعمارة شاهقة من الكلمات والذكريات والأحلام، في سياق إنساني وجمالي متميّز، أرادت أن تؤكّد أنّ الكتابة هي الطريقة الوحيدة لاستعادة الزمن، وهي ما زالت تشكّل حتى الآن، بعد مرور قرن على كتابتها، حدثاً بارزاً في المشهد الأدبي والثقافي في فرنسا والعالم. وما زالت "المكتبة الوطنية الفرنسية" تحفر في الطبقات العميقة لنتاج بروست، كما لو كانت تنقّب عن أثر جديد يلقي ضوءاً إضافيّاً على عالمه.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية