وثائق ماندلسون تكشف خطيئة ستارمر
عربي
منذ ساعة
مشاركة
أراد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن يكون الإفراج عن وثائق ماندلسون وسيلة لإقناع البريطانيين بأن ما حدث كان خطأ سياسياً جدياً اعتذر عنه واستوعب الدرس منه، ومن ثم ضرورة ألا تكون الفضيحة معياراً لقياس كفاءته للاستمرار في قيادة بريطانيا. وتتعلق ثائق ماندلسون بما كشفته الدفعة الأولى من الوثائق التي نشرتها الحكومة البريطانية، الأربعاء الماضي، وجاءت في 147 صفحة بأمر من البرلمان، عن أن ستارمر تلقى تحذيراً واضحاً من أن علاقة بيتر ماندلسون مع الملياردير الأميركي المتهم باستغلال القاصرات، والمتوفى في سجنه عام 2019، جيفري إبستين، تشكل "خطراً عاماً على السمعة". وجاء التحذير بعد إجراءات اختيار ماندلسون، السياسي البريطاني البارز في حزب العمال، سفيراً لبريطانيا لدى الولايات المتحدة، في فبراير/ شباط 2025. وقد أقيل من منصبه بصفة سفير، ثم استقال من حزب العمال ومن مجلس اللوردات بعد نشر الولايات المتحدة وثائق إبستين التي أظهرت علاقات وثيقة ومراسلات بينه وبين الملياردير الأميركي. ما بعد نشر وثائق ماندلسون لم يتحقق أمل رئيس الوزراء بعد الإفراج عن وثائق ماندلسون، فقد أضافت وقوداً جديداً للطعن في تقديره للأمور التي تمس المصلحة الوطنية. أتاحت الوثائق فرصة للمعارضة المحافظة (حزب المحافظين) لتعزيز استراتيجيتها التي ترمي إلى تصوير ستارمر ليس فقط باعتباره غير كفء لإدارة بلد كبير متأزم، ولكن بوصفه "كاذباً" ويصر على الكذب. في مقابلة تلفزيونية استمرت أربع دقائق ونصف الدقيقة تقريباً، كررت كيمي بانديوك، زعيمة حزب المحافظين، وصف رئيس الوزراء ثماني مرات بأنه "كاذب" و"غير أمين" في التعامل مع البرلمان والبلاد كلها. وجد المعارضون في وثائق ماندلسون ما يبرر هذين الوصفين. فقد تبين أن رئيس الوزراء تلقى تحذيرات مباشرة واضحة من مخاطر اتخاذه قرار استدعاء شخصية سياسية تلاحقها علامات استفهام من خارج السلك الدبلوماسي لشغل منصب سفير بريطانيا لدى الولايات المتحدة، أكبر دولة في العالم وأقرب حليف. "السياسي" مقابل "الدبلوماسي" صحيح أن ستارمر لم يرتكب مخالفة باتخاذ قرار بشأن ما وصفته وثائق ماندلسون بـ"تعيين سياسي" وليس "مهني" في هذا المنصب، لكنه تجاهل النصيحة بشأن الخيار الأفضل. وعندما طلب ستارمر نصيحة بشأن هذا الخيار، بدا واضحاً أن التعيين المهني، الذي وصف بأنه "التعيين الرسمي"، هو الأفضل. وعدد سايمون كيس، مستشار ستارمر ورئيس جهاز الخدمة المدنية في ذلك الوقت، إيجابيات هذا الخيار. ومنها: السفير سيكون "شخصاً مختبراً ومجرباً وخبيراً في العمل الدبلوماسي والنظام الأميركي"، و"يظهر لإدارة ترامب المقبلة ثقتنا في نظامنا"، و"في حال تسريب برقيات دبلوماسية بريطانية ووجود ردة فعل قوية من ترامب، من المفترض أن يكون تغيير سفير مهني أقل إزعاجاً للحكومة، إذا تطلب الأمر ذلك". ووفق النصيحة نفسها، فإن "السفير السياسي" سيكون قادراً "على العمل على مستوى يتسم بقدر أكبر من السياسة"، و"يتواصل بشكل مختلف (عن السفير المهني) مع النظام الأميركي بكل دوائره". غير أنه في المقابل، ستيعين على أي شخصية سياسية مقترحة "العمل لأول مرة سفيراً" و"يحتاج أيضاً إلى التنقل بين الأروقة لفهم إدارة أميركية جديدة". وحذرت النصيحة ستارمر من أنه "إذا حدث أي خطأ، ربما تكون أنت أكثر عرضة للخطر، نظراً لأن الشخص (السفير) أكثر ارتباطاً بك شخصياً". وفي رسالة بعنوان "خيارات بشأن سفير جلالة الملك بواشنطن"، وصف كيس منصب السفير بأنه "واحد من أهم، إن لم يكن أهم المناصب الدبلوماسية بالنسبة لحكومة جلالة الملك، نظراً لأن الأهمية المركزية للعلاقات مع الولايات المتحدة لمصلحة المملكة المتحدة الوطنية". من هم زبائن شركة ماندلسون؟ أقر ستارمر الخيار الثاني. إلا أن المحيطين به، المسؤولين عن مراجعة ملفات المرشحين، نبهوه إلى أن ماندلسون ليس هو الشخصية السياسية المناسبة لمثل هذا المنصب الحساس للمصالح البريطانية. حُذر ستارمر قبل تسعة أيام من قرار تعيين ماندلسون من أن سمعة الأخير تطعن في سلامة أي قرار بتعيينه وقبل تسعة أيام فقط من قرار ستارمر النهائي بتعيين ماندلسون في المنصب، حُذر صراحة من أن "سمعة" ماندلسون في ضوء علاقته بإبستين تطعن في سلامة أي قرار بتعيينه. وبعدها كان تقدير جوناثان باول، مستشار رئيس الوزراء لشؤون الأمن الوطني، بأن عملية التعيين برمتها "غير عادية" و"متسرعة بشكل مثير للاستغراب". وأحد أسباب الاستغراب أن مساعدي ستارمر سايروه وأبدوا "رضاهم" عن إجابات ماندلسون عن الأسئلة التي وجهت إليه، في سياق عملية التدقيق الأمني قبل التعيين، بشأن علاقته مع الملياردير سيء السمعة. وتكشف وثائق ماندلسون عن أن الأكثر غرابة هو أن معاوني ستارمر كانوا على دراية بأن العلاقة استمرت إلى عام 2011 على الأقل، أي بعد إدانة الملياردير الذي كانت تحوم حوله شبهات قوية بالاتجار في النساء وخصوصاً القاصرات لأغراض الجنس، في عام 2008، بقضية تسهيل ممارسة الدعارة مع الأطفال. وتشير وثائق ماندلسون أيضاً إلى أن ستارمر تلقى تقريراً أكثر تفصيلاً بشأن "مخاطر" تعيين ماندلسون، وذلك قبل قرار التعيين النهائي بتسعة أيام. وأرسل التقرير إلى رئيس الوزراء في يوم 11 ديسمبر/ كانون الأول 2024، تحت عنوان "نصيحة إلى رئيس الوزراء: قائمة الفحوصات الواجبة... بيتر ماندلسون... سفيراً لحكومة جلالة الملك لدى واشنطن". سرد التقرير علاقات ماندلسون المهنية والمالية. ووفقاً لسجله، نبّه التقرير إلى وجود "مخاطر تتعلق بالسمعة". والسبب هو أن ماندلسون أسس شركة "غلوبال كاونسل"، وهي "شركة استشارات استراتيجية" ولا يزال يشغل فيها منصب الرئيس. وأكد التقرير أن ماندلسون "لا يزال يتمتع بنفوذ كبير، رغم استقالته من منصب المدير في مايو/ أيار 2024". وكشف التقرير عن أن قائمة زبائن هذه الشركة تضم مؤسسات "تيك توك، شل، أكسنتشر، الدوري الإنكليزي الممتاز، جي بي مورغان، سانتاندير، بي بي (شركة النفط البريطانية)، سايزويل سي، وشين". وخلص التقرير إلى أنه "قد تنشأ مخاطر تتعلق بالسمعة نتيجة تعاملات أي من هؤلاء العملاء مع حكومتي المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة". ورغم أن "غلوبال كاونسل" لم تعلن عن "أي عملاء يمارسون الضغط السياسي خلال الربع الأخير من حكم إدارة (رئيس الوزراء البريطاني السابق ريشي) سوناك"، فإن التقارير الإعلامية "تشير إلى توسع المجموعة منذ الانتخابات". وتناول التقرير المناصب التي شغلها ماندلسون في الحكومة واضطر إلى الاستقالة منها. وضرب مثالاً باضطراره إلى الاستقالة من منصب وزير دولة للتجارة والصناعة عام 1998، بسبب عدم إفصاحه عن قرض بقيمة 373 ألف جنيه إسترليني حصل عليه من زميله في مجلس الوزراء جيفري روبنسون، والذي استُخدم لتمويل شراء عقار. وانتهى التقرير إلى وجود "مخاطر عامة تتعلق بالسمعة بسبب المغادرات السابقة من حكومة حزب العمال الجديدة، سواء المتعلقة بالمسائل المالية أو غيرها، بما في ذلك كشف هوية المانحين البارزين للحكومة". إجراء نادر أفرد التقرير المذكور مساحة كبيرة لبعض مراحل علاقة ماندلسون بإبستين بين عامي 2002 و2019. وجاء فيه: "بعد إدانة إبستين لأول مرة بتهمة استدراج فتاة قاصر عام 2008، استمرت علاقتهما خلال الفترة من 2009 إلى 2011، بدءاً من فترة تولي اللورد ماندلسون منصب وزير الأعمال، واستمرت بعد انتهاء حكومة حزب العمال". وأضاف: "تشير التقارير إلى أن ماندلسون أقام في منزل إبستين أثناء وجوده (الأخير) في السجن في يونيو/ حزيران 2009". ومضت النصيحة إلى حد لفت نظر ستارمر إلى وجود سجلات رسمية قد تفرج عنها هيئة الأرشيفات الوطنية البريطانية و"تتعلق باجتماع توني بلير (رئيس الوزراء البريطاني السابق) مع إبستين، سهّله ماندلسون". وشددت النصيحة، بالتالي، على وجود "مخاطر عامة تتعلق بالسمعة" قد ترافق تعيين ماندلسون في المنصب الدبلوماسي المرموق، الذي يعادل منصب الأمين العام الدائم لوزارة الخارجية والتنمية الدولية. رغم كل هذه التحذيرات، قرر ستامر تعيين ماندلسون ورغم كل هذه التحذيرات، قرر ستامر تعيين ماندلسون. وذكرت وثائق ماندلسون أنه في برقية إلى سير كلايف ألديرتون، السكرتير الخاص لتشارلز الثالث، ملك بريطانيا، قالت وزارة الخارجية إن "التعيينات السياسية نادرة في النظام البريطاني"، غير أن "موافقة جلالته مطلوبة تماشياً مع ما يحدث في التعيينات التي تحصل من داخل سلك الخدمة العامة أو الدبلوماسية". وفي أوائل شهر سبتمبر/ أيلول عام 2025، قرر ستارمر إقالة ماندلسون من المنصب إثر الإفراج عن وثائق أميركية كشفت عمق العلاقة بين السفير وإبستين. وتحدثت وثائق ماندلسون عن اجتماع رأسه ستارمر يوم 11 سبتمبر وحضرته وزيرة الخارجية إيفيت كوبر، والأمين العام الدائم للوزارة ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب العمال الحاكم في البرلمان وعدد من العاملين في رئاسة الحكومة. في هذا الاجتماع اقترح أن يُطلب من ماندلسون الاستقالة من منصبه.  وجاء في تقرير عما دار في الاجتماع أعدته أليسا تيري، السكرتيرة الخاصة في مكتب رئيس الوزراء للشؤون الخارجية، أن ستارمر رأى أن الوثائق الأميركية "كشفت عن عمق ونطاق علاقة (ماندلسون) مع إبستين لم يكن هو (ستارمر) يدري بها من قبل، عندما قرر تعيين ماندلسون". وخلال الاجتماع نفسه، أكد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العمال جوناثان رينولدز وجود "حالة عدم ارتياح خطيرة" بين أعضاء النواب العماليين في البرلمان. أما ستارمر فقد "كان واضحاً بشأن قلقه القوي بشأن ضحايا إبستين وأهمية عمل الحكومة على التعامل مع قضية العنف ضد النساء والفتيات". ووفق وثائق ماندلسون الأخيرة، فإنه في أواخر الاجتماع جرى الاتصال بماندلسون لإبلاغه بقرار ستارمر إقالته. وفي اليوم نفسه، أرسل السفير المقال رسالة بالبريد الإلكتروني إلى العاملين في السفارة بواشنطن، قال فيها إنه "ليس لدي بديل سوى قبول قرار رئيس الوزراء". وأضاف أن "الظروف المحيطة بالإعلان اليوم هي واحدة من الظروف التي أشعر بندم عميق تجاهها"، لافتاً إلى أنه "يظل يساورني شعور سيئ للغاية بشأن ارتباطي مع إبستين منذ عشرين عاماً ومحنة ضحاياه". بعد الإفراج عن وثائق ماندلسون في دفعتها الأولى، عبّر ستارمر، هو الآخر، مجدداً، عن ندم مماثل عندما قال إنه "هو الذي ارتكب الخطأ" بتعيين ماندلسون. إلا أن التساؤلات لا تزال تلاحقه، وستظل، على الأغلب، لحين الإفراج عن كل وثائق تلك الخطيئة. نحن في انتظار الدفعة الثانية.    

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية