عربي
في وقت تستعد فيه الحكومة المصرية لطرح مشروع الموازنة العامة للعام المالي 2026/ 2027 على المجتمع المدني الأسبوع القادم، وإرسالها إلى البرلمان في مطلع إبريل/ نيسان المقبل، وفق الاستحقاقات الدستورية، كشفت المؤشرات الأولية التي أعلنتها الحكومة يوم الخميس، 12 مارس/ آذار، عن موازنة بلا أرقام حاسمة في أغلب أبوابها الرئيسية، خاصة المتعلقة بالدعم ومصادر التمويل، وهو ما يعزوه اقتصاديون وبرلمانيون إلى حالة عدم اليقين التي فرضتها الحرب في المنطقة وتقلبات أسعار الطاقة والسلع العالمية.
أشار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال مراجعة التقديرات الأولية للموازنة الجديدة، بحضور وزير المالية أحمد كجوك وعدد من المسؤولين الاقتصاديين، إلى أن الموازنة تستهدف تنفيذ سياسة مالية متوازنة تحافظ على الانضباط المالي وتدعم النمو الاقتصادي مع التركيز على قطاعات الصحة والتعليم والتنمية البشرية.
في المقابل، اكتفى البيان الرسمي للحكومة بعرض التوجهات العامة للموازنة دون الكشف عن تفاصيل جوهرية تتضمن القيمة النهائية لدعم الطاقة أو تقديرات العجز الكلي ومصادر تمويله، وهو ما اعتبره اقتصاديون مؤشراً إلى أن الحرب وتذبذب أسعار السلع العالمية جعلت إعداد الحكومة موازنة دقيقة للعام المالي الذي سيبدأ في يوليو/ تموز المقبل أمراً أكثر تعقيداً.
وفق ما عرضه وزير المالية أحمد كوجك على الاجتماع، فإن الحكومة تركز في الموازنة الجديدة على توسيع القاعدة الضريبية دون فرض أعباء جديدة على المواطنين أو مجتمع الأعمال، وتحسين مؤشرات الدين العام وإطالة متوسط عمره، في إطار سياسة مالية تستهدف خفض العجز واستقرار التضخم، مع ذلك جاءت المؤشرات عامة، دون تحديد أرقام واضحة لمخصصات الدعم أو تقديرات العجز النهائي، رغم إطلاق رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب السابق فخري الفقي في يناير/ كانون الثاني الماضي، مؤشرات تفصيلية حول مشروع الخطة الجديدة، وهو ما يعكس بحسب مصادر برلمانية صعوبة التنبؤ بالكلفة الحقيقية للدعم في ظل تقلبات الأسواق العالمية.
يشير الخبير الاقتصادي أحمد خزيم إلى أن أسعار النفط العالمية شهدت قفزات متتالية خلال الأسبوعين الماضيين مع تصاعد العدوان الإسرائيلي - الأميركي على إيران وتوسع العمليات العسكرية في المنطقة، مؤكدا لـ"العربي الجديد" أن استمرار الحرب يهدد بزيادة فاتورة الطاقة على مصر ويجعل تقدير كلفة الدعم أكثر تعقيداً، خاصة أن الحكومة تعتمد على استيراد كميات كبيرة من القمح والوقود، ما يجعل أي تغير في الأسعار العالمية أو سعر الصرف ينعكس مباشرة على بنود الدعم في الموازنة.
تأتي هذه التطورات بينما يفرض الدستور المصري جدولا زمنيا واضحا لإقرار الموازنة، فالحكومة ملزمة بطرح مشروع الموازنة للنقاش العام خلال شهر مارس، قبل أن ترسله إلى البرلمان في موعد أقصاه الأول من إبريل لمناقشته تفصيليا داخل مجلسي النواب والشيوخ قبل بدء العام المالي الجديد في يوليو، مع ذلك تبدو الموازنة الجديدة، وفقا للبيان الحكومي المنشور على الموقع الرسمي لمجلس الوزراء، حتى الآن أقرب إلى إطار سياسي عام منها إلى وثيقة مالية مكتملة، إذ تركز على الاتجاهات الكبرى للسياسة الاقتصادية دون إعلان الأرقام التفصيلية.
حرصت الحكومة في بيانها على التأكيد أن الموازنة الجديدة ستواصل توجيه جزء كبير من الإنفاق إلى قطاعات التنمية البشرية، خصوصا الصحة والتعليم، إلى جانب برامج الحماية الاجتماعية مثل "تكافل وكرامة" ومبادرات تحسين مستوى معيشة الفئات الأكثر احتياجا. شدد رئيس الوزراء على استمرار تنفيذ المشروعات الاجتماعية الكبرى مثل مبادرة "حياة كريمة" وتوسيع منظومة التأمين الصحي الشامل، باعتبارها جزءا من استراتيجية الدولة لتحسين جودة الخدمات العامة.
تواجه الحكومة خلف هذه الأهداف الاجتماعية ضغوطا متزايدة على المالية العامة نتيجة ارتفاع خدمة الدين العام وكلفة الاقتراض التي تلتهم 86% من إيرادات الموازنة العامة وفقا لتقديرات رسمية. وتشير التقديرات الحكومية إلى أن السياسة المالية في السنوات المقبلة ستعتمد بشكل أكبر على إطالة آجال الدين وتنويع مصادر التمويل لتقليل الضغوط السنوية على الموازنة، لسداد صافي عجز مزمن بين الإيرادات والمصروفات العامة يقدرها خبير التمويل والاستثمار وائل النحاس بنحو 20 مليار دولار، مبينا في حديث لـ"العربي الجديد" أن ذلك يأتي في وقت انتهت فيه القروض الرخيصة مع تراجع التمويل منخفض الكلفة عالميا، ما دعا مصر لإعادة هيكلة ديونها والاعتماد على أدوات تمويل أطول أجلا.
في المقابل، حذر عدد من البرلمانيين من أن طرح مؤشرات موازنة غير مكتملة قد يضع البرلمان أمام وثيقة مالية غير واضحة المعالم، خصوصا في ما يتعلق بكلفة الدعم ومصادر تمويل العجز. وكان بعض النواب قد انتقدوا خلال جلسات مجلس النواب سياسات الحكومة المالية، معتبرين أن ارتفاع الدين وتكاليفه يفرضان إعادة النظر في أولويات الإنفاق العام والتقشف في المصروفات العامة. ويرى نواب أن الحرب وتذبذب أسعار الطاقة قد يدفعان الحكومة إلى تعديل تقديرات الدعم أكثر من مرة خلال العام المالي الجديد، ما يفسر حذرها في إعلان الأرقام النهائية مبكرا.

أخبار ذات صلة.
سقوط شظايا على واجهة أحد المباني وسط دبي
العربي الجديد
منذ 21 دقيقة