عربي
تنتفي الرعاية الصحية الطارئة التي يحتاجها المصابون نتيجة القصف الجوي الباكستاني في المناطق الأفغانية الحدودية، ما يضطرّ الجرحى والمرضى إلى الانتقال نحو المدن حيث يتكبّدون كلفة العلاج أو يُحرمون منه.
تشكّل الرعاية الصحية إحدى أبرز التحديات الإنسانية في مناطق النزاعات المسلحة، فالحرب عادةً تؤدي إلى تدمير البنية التحتية، ولا تسمح بإيصال المستلزمات الطبية والصحية الطارئة. وهذا ما تشهده في الوقت الحالي الحدود الأفغانية - الباكستانية، حيث أُصيب عدد كبير من الأفغان بجروحٍ متفاوتة، وسط غياب الرعاية الصحية العاجلة التي يحتاجها أيضاً المرضى من سكان مناطق الحرب.
وبينما تنشغل الحكومة الأفغانية بتطورات التصعيد بين باكستان وأفغانستان، تتفاقم معاناة المواطنين المتضرّرين من جرّاء الحرب، سواء المصابين أو المرضى من النازحين وغير النازحين. ومنذ بدء الموجة الجديدة من الاشتباكات بين البلدين في 26 فبراير/ شباط الماضي، نزحت آلاف العائلات الأفغانية من منازلها في شرقي البلاد وجنوبيها، بالتزامن مع سقوط قتلى مدنيين وتسجيل إصابات من جراء القصف الجوي الباكستاني الذي دمّر عشرات المنازل، وطاول أحياء سكنية عدّة.
في الأيام الأولى من الحرب، أُصيبت الطفلة زينب إصابات بالغة في ظهرها وساقَيها نتيجة القصف الجوي الباكستاني في مديرية دور بابا بولاية ننغرهار (شرق)، فكان أن هرع بها عمّها نحو مدينة جلال أباد من أجل تلقّي العلاج، لكون والدها معتقلاً في باكستان. ويوضح عمّها عبد الودود محمد لـ"العربي الجديد" أنّها تخضع للعلاج في أحد المستشفيات الذي يقدّم خدمات لا بأس بها، ولكنّ المشكلة الأساسية تكمن في عدم توفر الأدوية اللازمة لحالتها، ما يضطرّه إلى شرائها من الخارج، علماً أن قدراته المالية معدومة.
ويضيف عبد الودود: "اعتُقل أخي قبل ستّة أعوام في باكستان بتهمة الضلوع في تجارة وتهريب المخدرات. كنّا نعيش هناك، لكنّنا عدنا إلى ديارنا منذ نحو عامين بسبب الفقر والمشاكل المتتالية في باكستان. وأعمل اليوم في الحقول، وتترتب عليّ ديون كثيرة ناجمة عن متابعة ملف أخي في المحاكم الباكستانية، علماً أنّ المتابعة لم تُجدِ نفعاً، إذ حُكم على أخي بالسجن 15 عاماً".
يوضح الرجل أنّ ابنة أخيه التي لا يتجاوز عمرها تسعة أعوام، لم تكن المصابة الوحيدة في ذلك اليوم، إنما أدّى القصف الباكستاني على قريته إلى سقوط أربعة قتلى وتسعة جرحى. ويقول: "ساعدنا أبناء القرية وعناصر من حركة طالبان في الوصول إلى مدينة جلال أباد، لكنّ متابعة علاج الطفلة وشراء الأدوية والمستلزمات الطبية تتطلب كلفة إضافية لا نملك منها أيّ شيء. كلّ ما أملكه بالكاد يؤمّن لعائلتي وعائلة أخي وجبات الإفطار والسحور، حتى أنّ بعض الخيّرين يقدّمون لنا الطعام أحياناً".
يذكر عبد الودود كيف أنّه قصد قبل أيام إحدى الصيدليات لشراء الدواء لابنة أخيه، حيث شرح لصاحب الصيدلية عدم قدرته على الدفع، فكان أن بادر الأخير إلى إعطائه الدواء مجاناً، وتعهّد بأنّه سيساعده في المستقبل.
ونتيجة القصف الباكستاني، أُصيب إمام شاه ولي بشظايا في ساقه قرب منفذ طورخم الحدودي حيث كان ينقل البضائع ويكسب منها رزقه اليومي. على الفور، نُقل إلى عيادة قريبة لكنّها كانت تفتقر إلى المعدات والأدوية والإمكانيات اللازمة لعلاجه، ولإزالة الشظايا من قدمه وفخذه، خصوصاً أنّه مصابٌ بداء السكري ويحتاج عناية فائقة، ما يحتّم عليه الانتقال إلى جلال أباد أو إلى كابول.
يقول إمام شاه لـ"العربي الجديد": "كنّا نتوقع أن الأمور ستهدأ، وأنّ المشكلة سوف تُحلّ، لكن فجأةً بدأت المواجهات العنيفة بين الطرفين، وأصبحنا في كل مكان تحت هول القصف والصواريخ والقذائف. في ذلك اليوم، حاولتُ الهروب قبل أن يسقط صاروخ بالقرب مني، فكان أن تطايرت الشظايا وأصابتني".
انتقل إمام شاه إلى كابول لتلقّي العلاج، وقد خضع لعملية جراحية في أحد المستشفيات الحكومية، وهو يحتاج اليوم إلى الأدوية والرعاية الصحية المنتظمة، خصوصاً أنّه يعاني من ارتفاع السكر في الدم، غير أنّ تلك الرعاية مفقودة في المستشفى الحكومي، كما يقول، وهو لا يستطيع تحمّل كلفة العلاج في المستشفيات الخاصة، علماً أنّه فقد عمله بسبب إصابته خلال هذه الحرب.
ويواجه قطاع الصحة في أفغانستان مشكلات وعقبات لا تُعدّ ولا تحصى بسبب الميزانيات الضعيفة والإمكانيات المحدودة التي تُعرقل تحسين الخدمات المقدّمة، بينما تُنفّذ السلطات خطوات تُعتبر إيجابية مقارنةً بما كان يحصل في العقود الماضية التي شهدت أزمات كثيرة بسبب الحروب المتعاقبة، أهمها محاولة إيصال الرعاية الصحية إلى المناطق النائية والقرى والأرياف التي تعيش في حرمان كامل. ويشكو مواطنون أفغان في مناطق مختلفة من غياب المستشفيات والأطباء، ما يضطرّهم إلى التوجّه نحو المدن لتلقي العلاج بكلفة باهظة في المستشفيات الخاصة، لأنّ المستشفيات الحكومية لا توفّر الإمكانات ذاتها، وفق قولهم.
