حياة خارج الحياة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
من يشتري طنجرة مرتفعة الثمن في خضمِّ حرب لا تعرف إن كنت تستطيع خلالها أن تعود إلى بيتك، وإن كان سيبقى لك بيت أصلاً؟ أنا.  لا، لم أكن أحتاجها فعلاً، ومع ذلك لم أستطع المقاومة. اشتريتها وحملتها إلى المنزل كما لو كانت هدية لشخص عزيز، وكأنّ مطبخي سيستقبلني بقبلة ما إن أدخل عليه بهذه الهدية. يا لغرابتي. وأنا لا أعرف لماذا حين يشتدّ القصف، وبدلاً من أن أهرب من البيت حاملة معي، لو كان لديّ، ما خفّ حمله وغلا ثمنه، إلّا أنّني وبدلاً من ذلك أقوم، ومن دون أدنى تفكير، بتصرّفات أقلّ ما يُقال فيها، بلغة مهذّبة، إنّها غريبة. وبلغة أكثر صراحة أستطيع أن أخاطب بها نفسي: هبلة! تماماً كشراء هذه الطنجرة. ما إن تتوالى الإنذارات، واتصالات العائلة والأصدقاء عارضة اللجوء إلى مناطقهم الآمنة نسبياً، حتى أشمّر عن ساعدي لأنخرط بهمّة ونشاط غريبين في تنظيف البيت.  كلّ ما كنت قد أجّلته تكاسلاً، أقوم به في هذا الوقت المفترض أنّه وجيز لا مجال فيه للتلكّؤ، وعليه أن يكون مُخصّصاً للتحضير للهروب، للتفكير بالوثائق الشخصية، الملف الطبي، ضبّ الملابس التي قد تناسب مهلة غير معروفة للمكوث بعيداً عن البيت. لتذكّر إقفال مفتاح الغاز، والكهرباء، وألا أنسى أيّ شيء مهم من الممكن أن يتحوّل مع المنزل بصاروخ إسرائيلي، وبأقلّ من ثوان، إلى غبار. تماماً كما حصل ليلة أمس المجنونة للكثير من مباني الضاحية والبلدات اللبنانية، وما اختارته داتا المُسيّرات الأجنبية، المُتفرّقة من حيث الجنسيات، والموحّدة علينا.  أريد أن آخذ بيتي كلّه معي إلى النجاة، أن أحمله فوق ظهري كسلحفاة تحتمي وتحمي درعها في آن لا أواني في المجلى؟ حسناً، فلأعزّل خزائن المطبخ، ثم الثلاجة. وإن انتهيت؟ سأغيّر شراشف الأسرّة، وأعرّي المخدات وأرتجل غسلة للغسالة من النوع الذي يستغرق أطول وقت ممكن، الأبيض القطني، تسعون دقيقة. أشغّل الروبوت للكناسة ثم أمسح الأرض والغبار. أمّا الزجاج؟ فأتركه. قد يهرّ مع أوّل قصف قريب. .. ماذا بعد؟ آه، لم لا أطبخ؟ أتحجّج، أمام نفسي المدهوشة ممّا أفعل، بأنّه لا يجب، لو غادرت المنزل، أن أترك شيئاً خلفي في الثلاجة خوفاً من انقطاع التيار الكهربائي لو طال غيابي، ما يعني تعفّن محتوياتها. هكذا، أُخرج تلك المُحتويات مهما كانت، أصفّها جنباً إلى جنب وأخترع طبخة من بعضها، ثم أخرى. ما إن أنتهي، حتى يكون جبل من الأواني قد تكوّم مُجدّداً في المجلى، فأنخرط مُجدّداً في تنظيفها، بعد أن آكل القليل فقط ممّا طبخت، وممّا تبيّن أنّه ماسخ الطعم لسبب ما، ولأنّ التوتّر، والإنهاك، قطعا شهيتي تماماً.  لِمَ أفعل ذلك؟ ظللت أتساءل. وحين خرجت إلى الشارع من أجل مواعيدي التي لا تستطيع أن تنتظر نهاية الحرب، ورأيت خيم النازحين التي غطّت الأرصفة؟ فهمت.  تفتّح الجواب فجأة في عقلي: لأني أريد أن آخذ بيتي كلّه معي إلى النجاة، أن أحمله فوق ظهري كسلحفاة تحتمي في درعها وتحميه في آن.  نظرات اتهامية تُلقى عليهم، وأخرى عنصرية تتعالى على أسلوب لباسهم المحافظ هم أيضاً، النازحون، أرادوا اصطحاب بيوتهم. أرادوا جرّها بعيداً عن مرمى الطائرات الإسرائيلية. لم يستطيعوا، فاصطحبوا ما يمكن أن يكون بمثابة رموز لتلك البيوت، ملخّصاً لها: هم وأولادهم وحيواناتهم الأليفة وسياراتهم.  تغرّد العصافير التي عُلّقت أقفاصها على سور حرج الصنوبر بالقرب من منزلي. علّقها أصحابها من النازحين تماماً على جزء السور المُحاذي لخيمهم المُتواضعة على رصيف الطريق. خيام تكاثرت بين ليلة وضحاها كما يتكاثر الفطر بعد ليلة ماطرة إثر التحذيرات من قصف مجنون عشناه فعلاً الليلة الماضية حتى الصباح وأسفر عن عشرات القتلى والجرحى والدمار.  كلّ عائلة علّقت أقفاص عصافيرها، لو كان لديها، أو وضعت أقفاص قططها بجانب الخيام. أمامها، أطفال بدا أنّهم يستمتعون باللعب مع كلبهم على الرصيف. يهزّ الكلب، الذي يدخل ويخرج إلى الخيمة البلاستيكية بذيله جذلاً هو الآخر. لا أحد يتأفّف على الرغم من ازدحام الناس الذي حوّل وظيفة الرصيف من العبور السريع إلى المكوث المؤقّت. تسأل النساء إن كنّ بحاجة لشيء خاص، فنزوح النساء ليس كنزوح الرجال. يبتسمن بتواطؤ شاكرات ولا يطلبن شيئاً.  لكن البعض متوجّس. يستطلع عينيك وأنت تمرّ عابراً بجانبه، بين السيارات المتوقّفة والخيم، وبيك آب بيع الخضار. ينظرون كمن يتوقّع استياء الناس لصعوبة المرور بسبب كلّ ذلك الازدحام. يذكّرونك بالجو الطائفي المُحتقن والمُنتشر على وسائل التواصل وفي بعض المناطق. بنظرات اتهامية تُلقى عليهم، وأخرى عنصرية تتعالى على أسلوب لباسهم المحافظ. تحاول كلّما التقت عيناك بعيني أحدهم أن تبتسم أولاً، وأن تلقي السلام تالياً. عندها، تنفرج أساريرهم عن ابتسامة.  يبدو أنّ النازحين تعلّموا من المرّة الماضية. هذه المرّة جاؤوا بكلّ مستلزمات يوميّاتهم الرمضانية. الجميع لديه خيمة تلبي حاجته بالحدّ الأدنى. الغاز النقّال للطبخ، وحتى بعض البسطات من أسواقهم كانت حاضرة هنا. بائع العصير الرمضاني، بائع الخضار والفاكهة. موزّع المياه. وحتى بعض ألعاب الأطفال. المُسيّرة لا زالت تحوّم كالغراب فوق رؤوسنا. تتدفّق أخبار القصف من معظم أنحاء البلاد. جنوباً وبقاعاً وعاصمة وضاحية يقفز الصغار بحرية بين الطريق الذي تحوّل إلى كاراج لسيارات أهاليهم، وبين الرصيف حيث خيمتهم. لا خوف من الطريق التي سدّت حركة السيارات فيها قوى الأمن الداخلي تحضيراً لليلة قصف توعّدنا بها الناطق الحقير باسم جيش العدو. فقط بإمكان خطّ الخروج من الضاحية أن يكون سالكاً، وعلى هذه الجهة يلعب الأولاد.  تغسل إحدى الأمهات وجه طفلها بمياه تسكبها ابنتها الصغيرة، في حين يتدافع أولاد أكبر سناً نحو الخيمة وأحدهم يصيح منبّهاً ربّما حسب توصية الكبار: أدخلوا إلى الخيمة ولا تخرجوا، هناك مصوّرون. المُسيّرة لا زالت تحوّم كالغراب فوق رؤوسنا. تتدفّق أخبار القصف من معظم أنحاء البلاد. جنوباً وبقاعاً وعاصمة وضاحية. أسمع سيدة كانت تطالع هاتفها تنبّه من بقربها "رجعوا أنذروا أحياء جديدة بالضاحية للإخلاء.. عنا كمان بالحارة" تقول.  لا أصبر حتى أصل إلى البيت. أقف إلى جانب الطريق وأفتح هاتفي: إنذارات جديدة لحي الباشورة البيروتي وحي زقاق البلاط، لقرى عديدة في البقاع، وأخرى في الجنوب، و"لجميع سكان جنوب نهر الزهراني بالإخلاء ومغادرة منازلهم إلى شمال النهر". صديقة علّقت في رسالة "العمى.. سيخلون البلد بكامله". أعود إلى البيت. أقف هكذا حائرة. حسناً. لم يبق هناك شيء لأنظّفه؟ ماذا سأفعل الليلة؟ 

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية