عربي
انتشرت في الصين خلال الأشهر الأخيرة قصة شاب يدعى وو تشي، كان يعاني من مرض التوحّد في صغره، وعندما صادق كلباً أليفاً ساعدته هذه العلاقة على تجاوز مرضه، وقرّر لاحقاً مشاركة خبرته مع العامة، عبر إنشاء معهد متخصص في تقديم خدمات علاجية باستخدام الحيوانات، وأصبح لاحقاً رائداً في برنامج الرعاية العامة بمساعدة الحيوانات على المستوى البلاد.
ودعا وو، الذي يرأس المنظمة، أصحاب الكلاب التي اجتازت الاختبار إلى إرسالها كي تصبح كلاباً خدمية. وخدمت منظمته أطفالاً مصابين بالتوحّد والاكتئاب والمجرمين الأحداث وكباراً في السن مصابين بالخرف ومرضى في وحدات الرعاية الخاصة، وحتى أشخاصاً عاديين عانوا من ضغوط عمل هائلة. وقال وو إنه فوجئ بأن مسنّاً مصاباً بمرض ألزهايمر تذكّر أسماء كل الكلاب التي التقى بها منذ فترة طويلة، حتى عندما لم يستطع تذكّر أسماء أطفاله. وحتى الآن، خدمت المنظمة أكثر من 150 ألف شخص.
يوضح وو أنه عندما بدأ من الصفر، لم يكن المجتمع على دراية بفكرة الكلاب العلاجية، حتى إن بعض الموظفين الذين عمل معهم كانوا يخشون حيوانات الخدمة. ولكن الآن، مع تزايد قبول المفهوم على نطاق واسع في البلاد، ثمّة مشكلة أخرى، تتمثّل في أن الصين لديها مئات فقط من الكلاب العلاجية، وهذا عدد أقل كثيراً من 300 ألف كلب في الولايات المتحدة. وقال وو إن غالبية حيوانات العلاج الموجودة في الخدمة حالياً كانت في الأصل ضالّة، وأبدى رغبته في إقرار قانون لحماية الحيوان في الصين، وإظهار مزيد من التسامح مع الحيوانات الأليفة في المرافق العامة.
وتشير تقديرات محلية إلى أن عدد القطط الأليفة في الصين تجاوز 70 مليوناً عام 2024، إضافة إلى نحو 50 مليون كلب أليف، بينما شهدت صناعة الحيوانات الأليفة في البلاد نمواً متسارعاً، بمعدل سنوي فاق 13% على مدى العقد المنصرم، إّ وصلت قيمة هذه الصناعة إلى 300 مليار يوان صيني (نحو 41.4 مليار دولار) العام الماضي. وتُسلّط هذه الأرقام الضوء على أهمية الحيوانات الأليفة بالنسبة إلى المجتمع الصيني، علماً أن أكثر من 100 مليون يملكون حيوانات أليفة في البلاد.
علاقات فعّالة
من جهته، يقول دا مينغ (42 سنة)؛ والد طفل يعاني من التوحّد، وأحد المستفيدين من برامج الرعاية العامة بمساعدة الحيوانات، لـ"العربي الجديد": "عندما سمعت بهذا العلاج مطلع العام الحالي لم أتردّد في تسجيل ابني في أحد المراكز المتخصصة. ومنذ اليوم الأول، لاحظتُ أن هذه الكلاب مدرّبة جيّداً وتتميّز باللطف والودّ، وتتمتع بصبر استثنائي مع الأطفال، وتتقبّل احتضان الغرباء ومداعبتهم". يضيف: "من خلال التواصل والتفاعل، بدأت ألمس تقبّلاً من ابني للمس الكلب واللهو معه، رغم أن ذلك كان أمراً صعباً. ومع مرور الوقت، بات ولدي أكثر انفتاحاً على التعامل مع من حوله والتعبير عن مشاعره، حتى لو كان ذلك بالحدّ الأدنى، وأنصح كل عائلة لديها طفل يعاني من التوحّد باقتناء حيوان أليف في المنزل، لأن ذلك يشجعه على التعبير على نحو فعّال عن عواطفه، وإنشاء علاقات ارتباط فعّالة مع الآخرين".
تحسين السلوك الاجتماعي
تعلّق يانغ يانغ؛ المدربة في مركز سي تشي لدمج أطفال التوحّد في المجتمع بمدينة شينزن (جنوب)، على تجربة وو، وتقول لـ"العربي الجديد": "لا بدّ من توضيح أن التوحّد مرض لا شفاء منه بالكامل، باعتبار أنه اضطراب شامل في النمو. من هنا تأتي فكرة استخدام الحيوانات الأليفة كعلاجٍ مُكمِّلٍ لمساعدة الأطفال المصابين بالتوحّد على التأقلم مع أعراضهم، وليس لعلاج المرض نفسه. وهذا بطبيعة الحال يقلّل التوتر والقلق، إذ يمكن أن يؤدي التفاعل مع الكلاب أو القطط العلاجية إلى تقليل مستويات الكورتيزول".
تتابع: "تعتبر هذه الحيوانات أيضاً عاملاً مساعداً في تحسين السلوك الاجتماعي لدى الأطفال المصابين بالتوحد، ربما لأن التفاعل معها يجلب المتعة، ويشجّع على تقليد الحركات والإيماءات وردود الفعل، وتعزيز التواصل والتعبير عن الذات، إذ تتاح للأطفال الفرصة للتعبير عن أنفسهم استباقياً، وبالتالي يصبح الأطفال أكثر استعداداً للتواصل مع الآخرين، ما قد يساعدهم في فتح نافذة للتفاعل الاجتماعي. وهذا المدماك الأول في فكرة العلاج، عبر سحب هؤلاء الأطفال من عالمهم الخاص، وأخذهم إلى العالم الواسع بكل تفاعلاته وأشكاله وألوانه. تضيف: "يمكن للحيوانات المستخدمة في العلاج أيضاً أن تساعد الأطفال المصابين بالتوحّد من خلال توفير الدعم العاطفي والراحة، ويمكن أن تكون بمثابة علاج تكميلي بإشراف متخصصين مدربين، لأن التعامل الاعتباطي وغير المسؤول مع هذا الأمر غاية في الخطورة والحساسية، خاصة أنه قد ينقلب بصورة عكسية في حال المواجهات غير الموفقة بين المريض والقط أو الكلب، وهذا من شأنه أن يعزز فكرة الانعزال والوحدة لدى أطفال التوحد بسبب عدم ثقتهم بالآخرين".
