هل ما زلنا نؤمن بـ"مولانا"؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
كلّما شاهدت عملاً درامياً يتناول ظاهرة "الوليّ" وتقديس الأشخاص، تعود بي الذاكرة إلى مشهد قديم لا يزال حيّاً في مخيلتي رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود عليه. كنت في الرابعة عشرة من عمري، طالباً في الصف الثامن، أعيش في مدينة القامشلي. في أحد الأيام، سمعت أنّ أحد شيوخ الصوفية المعروفين في منطقتنا سيزور جامع زين العابدين في وسط المدينة. كانت تُروى حول الرجل قصص البركة والشفاء، وتتداول الألسن حكايات عن كراماته وكرامات أجداده. قلت في نفسي: لِمَ لا أراه بعينيّ؟ كان اللقاء بعد صلاة المغرب. دخلت المسجد فوجدته مُكتظاً عن بكرة أبيه، والناس يتدافعون نحو الصفوف الأولى أملاً في الاقتراب من الشيخ وتقبيل يده طلباً للتوبة والبركة. جلست في الصفوف الخلفية أراقب المشهد بفضول ممزوج بشيء من الحذر. خلال الموعظة، لفت انتباهي رجل بدا كأنّه يعاني نوبة صرع؛ قفز فوق عدد من المصلين وسط همهمات وتعليقات تفسّر هذا الفعل على أنّه "جذبٌ صوفي" وبلوغٌ لمرتبة روحية عالية. بالنسبة لفتى في الرابعة عشرة، كان المشهد مُخيفاً ومُرتبكاً أكثر منه روحانياً.  حين تستقر الحداثة في الوعي الجمعي تصبح عصيّة على التغيير ما إن انتهت الخطبة القصيرة، حتى أمسك أحدهم بقبّة قميصي وقال لي بحماس: "اذهب وخذ التوبة". وكانت "التوبة" آنذاك تختصر في تقبيل يد الشيخ، ثم قراءته بضع كلمات وهو يمسح بيده على رؤوس الناس. حاولت أن أستوعب الفكرة، لكن شيئاً في داخلي رفضها. خرجت مُسرعاً وقرّرت أن أراقب بقية الحَدث من الخارج. في الساحة المقابلة للجامع، أُغلقت الطرقات بسبب الحشود. رأيت الشيخ يخرج، فيتهافت الناس عليه للمسّ جسده طلباً للبركة. أسرع الشيخ نحو سيارته التي أحاط بها جمعٌ غفيرٌ من مُريديه وطالبي التوبة، وراحوا يرفعونها قليلاً، يقبّلون عجلاتها وهيكلها، ويمرّرون أيديهم على الحديد ثم يمسحون بها صدورهم ووجوههم طلباً للشفاء والتوبة والبركة. كنت مشدوهاً، مذهولاً، وعاجزاً عن الفهم. كانت القصص تتواتر حول الشيخ وأجداده، وحول مراقدهم في إحدى القرى القريبة من القامشلي. حُكي أنّ جمعاً غفيراً قصد بيت الشيخ ذات يوم، ولم يكن الطعام يكفيهم. فقرأ الشيخ على قِدر الطعام، فأكل الحشد كلّه منه بل وزاد، رغم أنّ الكمية في الظروف العادية لا تكفي إلا لعدد قليل. هكذا كانت الحكايات تُروى، وهكذا كانت تُصدَّق. لاحقاً، حين دخل تنظيم داعش إلى مناطق الجزيرة السورية، فجّر تلك المراقد. ومع ذلك، لم يتزعزع إيمان كثيرين بقدسيتها. كأنّ القداسة، حين تستقر في الوعي الجمعي، تصبح عصيّة على التغيير. هل الحاجة إلى "المخلّص" و"الوسيط" و"صاحب البركة" أعمق من قدرتنا على النقد والمساءلة؟ تذكّرت كلّ هذه المشاهد وأنا أشاهد مسلسل "مولانا"، إذ يتحوّل بطل العمل، الفارّ من جريمة قتل، والذي قادته صدفة اعتراض حمار طريق حافلته إلى قرية نائية، إلى "وليّ" تتناقل الناس أخباره وتصدّق كراماته. هذه الظاهرة، التي سبق تناولها في مسلسل "دقيقة صمت" بطريقة مُماثلة، تعود إلى الواجهة بين الحين والآخر، في قراءة درامية لسؤال قديم مُتجدّد: لماذا نمنح بعض البشر هالة القداسة؟ ولماذا يصعب علينا تقبّل أنهم أشخاص عاديون، يخطئون ويصيبون مثلنا؟ هل يسمح عقلنا فعلاً بتجريدهم من تلك الهالة؟ أم أنّ الحاجة إلى "المخلّص" و"الوسيط" و"صاحب البركة" أعمق من قدرتنا على النقد والمُساءلة؟ على المستوى الفني، يشهد العمل "مولانا" عودةً لافتةً لفارس الحلو بعد سنوات من الابتعاد عن التمثيل إثر انحيازه للثورة السورية وما تبعه من مقاطعةٍ من بعض شركات الإنتاج، إلى جانب أداءٍ مُتجدّد ومُتقن لتيم حسن. غير أنّ توظيف بعض المقاطع الموسيقية المستوحاة من معزوفة "يا حرية" (التي شكّلت الموسيقى التصويرية لبرنامج "يا حرية" على "تلفزيون سوريا"، ووثّق معاناة السوريين خلال سنوات القمع في عهد الأسدين) يُثير تساؤلًا جماليًا. فالموسيقى، مثل الذاكرة، ليست حيادية؛ وحين تقترن بسرديات الألم وصور الضحايا، يغدو فصلها عن سياقها الأوّل أمرًا ليس هيّناً. بين مشهد المسجد في طفولتي ومشاهد الدراما اليوم، يبقى السؤال معلّقاً: هل تغيّر شيء في وعينا؟أم أننا ما زلنا، بطريقة أو بأخرى، نبحث عن "مولانا" جديد؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية