عربي
حين نحاول فهم منطق الحرب ضدّ إيران في سياق سعي إدارة دونالد ترامب إلى إشراك أوروبا فيها، فإنّنا لا نكون أمام حدث عسكري معزول، بل أمام لحظة تكشف أزمة أعمق: أزمة الهيمنة الغربية نفسها، وهي تعبر من طور الأحادية القطبية إلى زمن تعدّدية قلقة ومضطربة.
المسألة هنا ليست مجرّد توزيع أعباء عسكرية أو طلب دعم سياسي، بل تتعلّق بإعادة تعريف معنى القيادة في عالم لم يعد يقبل بسهولة بمركز واحد يقرّر نيابة عن الجميع.
في عام 1991، أثناء الحرب الأميركية على العراق، بدا النظام الدولي وكأنّه يدخل عصره الأميركي الخالص، حيث كانت الولايات المتحدة قد خرجت توًّا من الحرب الباردة منتصرة، وكان تفكّك الاتحاد السوفييتي يفتح المجال لشرعية دولية تكاد تكون أحادية المصدر.
آنذاك، لم يكن بناء التحالف الدولي ضدّ العراق مجرّد خيار تكتيكي، بل كان إعلاناً عن ميلاد "النظام الدولي الجديد" حيث تتطابق القوّة مع الشرعية، وتُترجم قرارات مجلس الأمن إلى فعل عسكري تقوده واشنطن باسم المجتمع الدولي. كانت الهيمنة في تلك اللحظة واثقة من نفسها، قادرة على إنتاج خطاب قانوني وأخلاقي يبرّر الحرب بوصفها استعادة للنظام لا اختراقاً له.
في عالم متعدّد الأقطاب، لم تعد الشرعية تُمنح تلقائياً لمن يمتلك القوّة، بل تُنتزع عبر التفاوض والصراع
لكن عام 2003 حمل صورة مختلفة تماماً، فغزو العراق لم يحظَ بالإجماع نفسه، وانقسمت أوروبا بين مؤيّد ومعارض، وتعرّضت شرعية الحرب إلى اهتزاز عميق. هنا بدأت الفجوة بين القوّة والشرعية تتسع، لم تعد القدرة العسكرية الأميركية كافية لإنتاج إجماع أخلاقي عالمي، ولم يعد خطاب "الديمقراطية" أو "أيديولوجية الحرية" قادراً على إخفاء الطابع الأحادي للقرار.
كانت تلك اللحظة بداية تآكل فكرة أنّ الغرب يستطيع أن يعرّف وحده معنى النظام الدولي، وأن يفرض تفسيره للقانون الدولي من دون مقاومة بنيوية صاعدة.
اليوم، وفي ظلّ الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدّ إيران، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فالعالم لم يعد أُحادياً، ولا حتى ثنائياً بالمعنى الكلاسيكي. فصعود الصين وتماسك روسيا أعادا تشكيل بنية التوازنات، وأصبح إشراك أوروبا في الحرب ضدّ إيران ليس فقط تقاسماً للكلفة، بل محاولة لإعادة إنتاج "وحدة الغرب" شرطًا لاستمرار الهيمنة، كأنّ واشنطن تقول إنّ الشرعية لم تعد تُستمد من التفوّق العسكري وحده، بل من القدرة على الحفاظ على تماسك المعسكر الأطلسي في مواجهة عالم يتشظّى.
غير أنّ هذا السعي نفسه يكشف القلق الكامن في بنية القوّة الغربية، ففي عام 1991، كانت أوروبا جزءاً من مشهد تقوده الولايات المتحدة بثقة المُنتصر، وفي 2003، كانت شريكاً مُتردّداً أو مُنقسماً، أما اليوم فهي طرف يُستدعى، أو يُجرّ عنوة، إلى المشاركة في الحرب على إيران، بشكل أو بآخر، ليس بهدف تعزيز القوّة وحسب، بل لمنع تآكل صورة القيادة الغربية للعالم.
ويمكن فهم التباين في مواقف الدول الغربية من الدعوة الأميركية إلى المشاركة في الحرب من خلال تعقيد الحسابات السياسية والاستراتيجية لكلّ دولة، فبينما أبدت بريطانيا تردّداً أو رفضاً للمشاركة المباشرة، وتعرّضت إسبانيا لضغوط اقتصادية بسبب موقفها، اعتذرت ألمانيا مُستندة إلى قيود تشريعية داخلية، في حين وافقت فرنسا على إرسال حاملة الطائرات شارل ديغول تحت مبرّر حماية الحلفاء في المنطقة.
ولا شك أنّ الموقف الأميركي من إشراك أوروبا لا يتعلّق بالقدرات العسكرية بقدر ما يرتبط بإدارة الحرب سياسياً واستراتيجياً، عبر توزيع الأعباء والكُلف، والحصول على غطاء دولي يضفي شرعية على العمليات العسكرية، إضافة إلى إشراك دول الخليج في منظومة الدفاع الإقليمي، بما يسمح لواشنطن بالتركيز على حماية "إسرائيل" خصوصاً في حال طال أمد الحرب أو نتج عنها اضطراب واسع في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
كما تهدف واشنطن إلى منع حدوث انقسام داخل المعسكر الغربي، وإرسال رسالة واضحة إلى كلّ من الصين وروسيا مفادها أنّ الغرب لا يزال قادراً على العمل الجماعي، وأنّ المجال الحيوي للطاقة في الخليج سيبقى ضمن نطاق النفوذ الغربي، وأنّ أيّ فراغ استراتيجي في هذه المنطقة لن يُملأ تلقائياً من قبل بكين أو موسكو.
من هنا، لا تبدو الحرب الجارية في مياه الخليج مجرّد مواجهة مع إيران بقدر ما هي محاولة لإدارة انتقال تاريخي، فالهيمنة حين تشعر بأنّها لم تعد بديهية، تسعى إلى إعادة تثبيت نفسها عبر استعراض القدرة على الحشد وإنتاج تحالفات، وعلى تحويل الفعل العسكري إلى تعبير عن "إرادة غربيّة جماعية".
وفي عالم مُتعدّد الأقطاب، لم تعد الشرعية تُمنح تلقائياً لمن يمتلك القوّة، بل تُنتزع عبر التفاوض والصراع.. وإذا قارنا الحرب الراهنة بتجربة استعراض القوّة عام 2003، يتّضح أنّه كلّما ازداد التفوّق العسكري (الأميركي والغربي)، تآكلت الثقة بالنظام الدولي ومرجعيته الأخلاقية التي يدّعي الدفاع عنها.
بهذا المعنى، فإنّ الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدّ إيران ستكون مرآة لتحوّل أعمق: الانتقال من هيمنة مطلقة إلى قيادة مشروطة، ومن شرعية مفترضة إلى شرعية متنازع عليها. فهل تستطيع الولايات المتحدة أن تبقى في قيادة نظام دولي يقبل تعريفها الأحادي لشرعية القوّة والغاب؟