أزمة ملاجئ... الأحياء العربية في حيفا محرومة من الحماية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تعاني الأحياء العربية في حيفا أزمة ملاجئ تدفع الأهالي إلى الاحتماء من الحرب في مدارس وكنائس ومواقف وخيام تحت الأرض، وسط سياسات إسرائيلية تمعن في التمييز واستثناء الفلسطينيين من الحماية. تعيش الأحياء العربية العريقة في مدينة حيفا، أزمة ملاجئ يفاقمها التصعيد الأخير وتعرّض المدينة لقصفٍ مكثّف من جهة إيران وحزب الله في لبنان على حدّ سواء، تزامناً مع العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران. أحد أعرق هذه الأحياء هو حيّ وادي النسناس الذي زارته "العربي الجديد" أخيراً، حيث استمعت إلى عددٍ من الأهالي حول مخاوفهم وذكرياتهم المرتبطة بحربٍ سابقة، حينها تسبّب سقوط صاروخ لحزب الله بمقتل ثلاثة أشخاص من الأهالي. ذكرياتٌ تعيدها إلى الأذهان صفارات الإنذار ودويّ الانفجارات، ما يدفع كثيرين إلى البحث عن أقرب مكان آمن، في ظل افتقاد البيوت القديمة للملاجئ. لكن المهمة ليست سهلة أحياناً، وسط اتهامات للجهات الرسمية من البعض بالتمييز، وعدم توفير ملاجئ كافية، أو حتى غرف محصّنة متنقلة. ما تعيشه الأحياء العربية في بعض المدن المختلطة ينسحب على المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل عموماً، إذ تشير معطيات رسمية إلى وجود نحو 12 ألف ملجأ عام في إسرائيل (لا يشمل ملاجئ المؤسسات)، 37 منها فقط تقع في بلدات عربية. وتُعزى الفجوة إلى سياسات حكومية متراكمة منذ سنوات طويلة تقوم على الإهمال والتمييز، وغياب التخطيط، وتصوّر يستثني البلدات العربية من منظومة الحماية المدنية. ومن المعروف أنّ لحيفا ومحيطها في كلّ تصعيدٍ نصيباً. فهي واحدة من أبرز المناطق التي تتعرّض للقصف في كلّ مواجهة، ما ينعكس على الأهالي ومخاوفهم، وحتى مصادر رزقهم. أما المعاناة في الأحياء العربية فأكبر بكثير. يعيش في حيّ وادي النسناس نحو تسعة آلاف شخص، ويدخله يومياً نحو ألفَي تلميذ. في أحد شوارع الحيّ التقينا موريس خوري وهو يحمل بعض المشتريات في منطقةٍ عادةً ما تشهد اكتظاظاً، لكنّها كانت شبه ساكنة، وشوارعها خالية مقارنة بالمعهود. "الحرب مخيفة جداً"، يقول خوري لـ"العربي الجديد"، مستدركاً بلهجته، "كلّ حيفا وكلّ الحارات أكلتها"، في إشارة إلى سوء الوضع "سواء هنا في وادي النسناس أو الهدار والمناطق الأخرى". ويتابع: "هذه منطقة قديمة جداً، ولا يوجد أيّ ملاجئ في البيوت. يهرع الجميع إلى ملجأ المدرسة أو الكنيسة أو يحتمون تحت البيوت إن أمكن. عندما نسمع الصفارة نتوجه مباشرة إلى تلك الملاجئ، لكن بالمجمل ليس هناك ملاجئ كثيرة". في الأعراف واللهجة الدارجة، يُطلق كثيرون في الداخل اسم ملاجئ حتى على الغرف المحصّنة المبنية من خرسانة سميكة مسلّحة، وليس كلّ ملجأ يذكرونه موجود بالضرورة تحت الأرض، ووفق المعايير المطلوبة، أو أنّه يوفّر حماية كبيرة. وغالباً يلجأ الناس إلى مثل هذه الأماكن هرباً من الصواريخ. لم ينسَ خوري الحديث عن "الأوضاع الصعبة التي تتسبب بها الحرب للمصالح التجارية في المنطقة"، مضيفاً "في النهاية نحن ندفع الثمن. بدل استثمار الأموال في الحرب، فمن الأجدى تخصيصها للمدارس والجامعات والمستشفيات وبناء الأجيال". هلال قاسم، صاحب محل حلويات في حيّ وادي النسناس، يؤكد لـ"العربي الجديد" أنّ الوضع العام صعبٌ بسبب الحرب، سواء على مستوى الأمن والأمان، أو حتى اقتصادياً. يضيف قاسم: "في حال أشار الإنذار المبكر إلى أن الضرب قادم من لبنان، نتوجه نحو عمارة قريبة نحتمي في داخلها، فلا وقت للذهاب نحو الملجأ، لكن إن كان من إيران فثمة وقت أطول قليلاً، ونتوجه حينها إلى كنيسة قريبة نسبياً، حيث نحتمي بموقف سيارات تحت الكنيسة يتألف من طبقات عدّة تحت الأرض". ويشير إلى أنّ "الوضع صعب على الجميع، فمعظم الأهالي يتخوّفون ويلازمون منازلهم، ما يؤثر على الحركة التجارية أيضاً. وكوننا في شهر رمضان، هناك إقبال ضعيف هذا العام على الحلويات وغيرها، مقارنة بفترات سابقة. في الأوقات العادية تعجّ الحارة كلّها بالناس قبل وبعد الإفطار، وليس المحل فقط. وحتى في غير رمضان تكون كلّ منطقة وادي النسناس وأسواقها مكتظة".     احتماء داخل الثلاجة خلال الجولة في حيّ وادي النسناس، تلقّى السكان إنذاراً مبكراً حول رصد إطلاق صواريخ باتجاه حيفا. في نفس اللحظة، اختار البعض القدوم إلى غرفة محصّنة كان مراسل "العربي الجديد" على مقربة منها، ربما تتّسع لعشرة أشخاص كحدّ أقصى. آخرون يرون أنّها ليست آمنة كثيراً، فآثروا إغلاق محالهم التجارية، والتوجّه نحو أماكن أبعد قد تكون أكثر أماناً. وعلى مرمى النظر، عجوز بطيء الحركة يتّكئ على عكازه، حتى لو أراد الوصول إلى الغرفة المحصّنة، ما كان لينجح بذلك على الأغلب، لكن لحسن الحظ صفارات الإنذار دوّت في مناطق أخرى. "عندما يكون تحذير مسبق لرصد إطلاق صواريخ، أحياناً أدخل إلى ثلاجة كبيرة نسبياً في محل الخضار الخاص بابني، يوجد حولها جدار خارجي يمكن أن يحمي من الشظايا لا أكثر من ذلك"، يقول سعيد هلون لـ"العربي الجديد". يرى هلون أنّ "الاحتماء بالأساس يكون من الشظايا، لأن أي صاروخ مباشر لن يرحم أحداً، فحتى لو أصاب ملجأ قد تكون الأضرار كبيرة.  وأحياناً مثل الآن، نلجأ إلى الغرف المحصّنة. هناك الكثير من الاعتراضات في حيفا والمنطقة، والأمر لا يحتمل أيّ تساهل. هنا البيوت قديمة، ولا يوجد ملجأ في بيتي. أحياناً نتوجه إلى مطلع الدرج الذي يُعتبر أكثر الأماكن أماناً في المنزل". خالد راغب لجأ أيضاً إلى الغرفة المحصّنة. ويصف الوضع بأنه في بعض الأحيان يحصل ضغط في الملجأ (الغرف المحصّنة التي تتّسع لبضعة أشخاص). ويقول: "الملاجئ ليست كافية ونأمل من البلدية توفير مزيداً منها. عندما تكون هناك صفارة إنذار في النهار، كثيراً ما يتوجّه أصحاب وزبائن المحال التجارية وزوّار المنطقة إلى الأماكن المحمية، بينما يبقى عدد كبير من سكان الحيّ من دون حماية. في المنطقة يوجد أيضاً عدد كبير من كبار السن، ويصعب عليهم التوجه إلى الملاجئ، بينما نشر مزيد منها، قد يساعدهم في الوصول". خيام تحت الأرض تُعتبر بعض المدارس والكنائس والمؤسسات ملجأ لأهل الحيّ. فبعد أن تركنا الغرفة المحصّنة في الشارع، سرنا بضع دقائق نحو كنيسة يوحنا المعمدان، حيث تقيم عائلات بأكملها في موقف سيارات بعمق الأرض تحت الكنيسة. يشرح الأب ديمتريوس سمرا، كاهن رعية الروم الأرثوذكس في حيفا، لـ"العربي الجديد" عن الخيام داخل الموقف، ويقول: "كثيرون يقيمون ويبيتون هنا، حيث يتوفّر كل شيء تقريباً. وعندما يكون إنذار مسبق، يسارع جيران الكنيسة إلى المكان أيضاً ويمكثون حتى زوال الخطر. يجد الناس الأمان هنا تحت الأرض، ونحن نساعد بما نستطيع". ويضيف الكاهن: "في حيفا توجد كنائس ومدارس وبعض المؤسسات التي فتحت ملاجئها لاستقبال الأهالي، خصوصاً أنّ هذه المنطقة قديمة بلا ملاجئ". بين سكان الموقف التقينا أليسيا قبيان وآسو شاغوري، وتوضح الأولى أنها تنام منذ بداية الحرب في هذا المكان. وتقول: "نأتي إلى هنا لأننا نخاف. بيوتنا غير آمنة ولا ملاجئ فيها. موجودون هنا ليلاً نهاراً، كباراً وصغاراً. كثير من أفراد العائلة هنا أيضاً، وتنام عائلات عدّة في المكان. وقد سبق أن لجأنا إلى هذا المكان خلال فترة صدام حسين وحرب الخليج الأولى". ويتحدّث شاغوري عن العلاقات الاجتماعية والإنسانية التي نشأت في المكان، ويقول: "عندما اندلعت هذه الحرب، جئنا مباشرة إلى هنا وما زلنا. جئتُ برفقة أولادي وأخي وعائلته، وصديقتي وزوجها. ويوجد هنا كثير من الناس الذين نعرفهم، وحتى من لا نعرفهم من قبل، إلى جانب عددٍ من الأشخاص المعوّقين. نحتسي القهوة مع بعضنا البعض، ونتعرّف ونتعاون ونتشارك لقمة الطعام. كثيرون تعرّفنا عليهم هنا، حتى إنّ العلاقات تُشعرنا بأنّنا لسنا في حرب". إهمال حكومي بحق العرب قرب مدرسة مار يوحنا البروتستانتية وكنيسة الروم الأرثوذكس، يقف أحد أبناء حيفا، وهو مدير مركز مساواة لحقوق المواطنين العرب في إسرائيل، جعفر فرح، حيث يتطرق إلى تقصير الجهات الرسمية رغم وجود مواقع يمكن إقامة ملاجئ فيها. ويقول فرح لـ"العربي الجديد": "نتحدّث عن واحد من أكبر الأحياء وأعرقها في حيفا يعيش فيه نحو تسعة آلاف شخص، لكن الحماية المدنية ضئيلة جداً، وتقريباً غير موجودة. هناك حلول مقترحة، لكن تحتاج إلى من ينفّذها. في حرب العام 2006 قُتل ثلاثة شبّان في هذا الحيّ، فضلاً عن عشرات الإصابات. ما نردّده منذ ذلك الحين، أنّه وسط الحارة هناك مناطق عامة يمكن إقامة ملاجئ فيها. هنا مثلاً عند المدرسة والكنيسة توجد ساحة يمكن إقامة ملجأ واسع تحتها يوفّر حمايةً لسكان الحيّ، أو على الأقلّ لجزء منهم". لكن المعوّقات برأيه سببها "الإهمال الحكومي، ووجود فجوات تتعلق بالمجتمع العربي". ويتابع: "يوجد مثلاً نحو 12 ألف ملجأ عام في إسرائيل، فقط 37 منها موجودة في البلدات العربية. في هذا الحيّ مثلاً، نتحدث عن مدرسة حكومية واحدة تضمّ غرفة رياضة تُستخدم ملجأ، أمّا الباقي فهو مؤسسات خاصة مثل الكنائس التي حوّلت مواقف السيارات التابعة لها تحت الأرض إلى ملاجئ". ويحذّر فرح من أنّ "ذوي الاحتياجات الخاصة أو كبار السن ليس لديهم الوقت الكافي للوصول إلى هذه الأماكن. لذلك ينصب البعض خياماً داخل الملاجئ، وينامون في مواقف السيارات، ويقيمون هناك من أجل حماية أنفسهم".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية