بين تحركات باكستان وصراع المحاور.. هل يصبح اليمن نقطة ارتكاز المعركة المقبلة؟
أهلي
منذ ساعة
مشاركة

تحليل خاص أعده لـ”يمن ديلي نيوز” خليل الزكري: في الجغرافيا السياسية، لا تقرأ الأحداث بمعزل عن سياقاتها، ولا تفهم التحركات العسكرية بمعزل عن التوقيت، فعندما أعلنت باكستان الاثنين الماضي عن عملية “حامي البحار”، كانت تضع ثقلها العسكري في كفة موازين إقليمية بدأت تتشكل ملامحها الجديدة قبل بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران.

لكن اللافت أن الإعلان الباكستاني تزامن مع تطورين دراماتيكيين في نفس اليوم؛ الأول: مكالمة الرئيس الروسي بوتين مع نظيره الأمريكي ترمب، التي وصفتها الرئاسة الروسية (الكرملين) بأنها “بناءة وصريحة”، وقدم خلالها بوتين مقترحات لإنهاء الحرب على إيران بسرعة، فيما الثاني: تصريح ترمب لشبكة CBS الأمريكية بأن “الحرب مع إيران انتهت إلى حد كبير”.

قبل ذلك بثلاثة أيام اجتمع وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان مع قائد الجيش الباكستاني الفريق عاصم منير لبحث “الاعتداءات الإيرانية على المملكة في إطار اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك”، وفق ما صرح به الأمير خالد بتغريدة على منصة “x”.

هذا التسارع في الأحداث والتحركات ليس مصادفة، بل يعكس لحظة فارقة، ففي الوقت الذي تدير فيه واشنطن وموسكو غرفة عمليات دبلوماسية لإنهاء الحرب، تتحرك العواصم الإقليمية لتأمين مصالحها في مرحلة ما بعد التصعيد.

الرسائل الباكستانية: حماية الظهر الاستراتيجي

عندما تقول باكستان إن 90% من تجارتها تعتمد على البحر، فهي تقدم مبرراً اقتصادياً مفهوما؛ لكن عندما تطلق على عمليتها اسم “حامي البحار”، فإنها ترسل رسائل أبعد من ذلك.

  • الرسالة الأولى موجهة للداخل: نحن جاهزون لحماية مصالحنا.
  • الثانية لإيران: لا تمدد في مياهنا.
  • الثالثة لأمريكا وإسرائيل: لنا حضور لا يمكن تجاهله.

لكن الأهم أن هذه الرسائل جاءت في سياق تفعيل عملي للاتفاقية الدفاعية مع السعودية، وهو ما يكشفه لقاء الأمير خالد بن سلمان بقائد الجيش الباكستاني.

اللقاء الذي سبق إعلان “حامي البحار” بثلاثة أيام فقط، وحمل دلالة واضحة، بأن الرياض تمتلك أوراقاً استراتيجية وحلفاء مستعدين لدخول الخط في اللحظات الحرجة، بالمقابل تريد إسلام آباد الظهور كحليف موثوق يمكن الركون إليه.

تنسيق سعودي مصري تركي في مواجهة من؟

ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً أن التحرك الباكستاني يتزامن مع تنسيق سعودي مصري تركي متصاعد حول أمن البحر الأحمر وباب المندب.

هذا التنسيق، الذي بدأ مع التحضير للحرب ضد إيران، أتى في سياق خلاف سعودي إماراتي مفتوح حول اليمن. فمن منظور أبو ظبي، فإن مشروعها في السواحل اليمنية يأتي في إطار تأمين مصالحها ومصالح حلفائها الاقتصادية.

منذ أشهر والرياض ترسل رسائل واضحة لأبو ظبي: اليمن خط أحمر، فالضربات الجوية السعودية في حضرموت في ديسمبر المنصرم ضد معسكرات الانتقالي، والدعم العسكري للحكومة اليمنية لاستعادة السيطرة على حضرموت والمهرة، ثم إعادة تشكيل مجلس القيادة وتشكيل حكومة جديدة في يناير الماضي، كلها كانت إشارات بأن السعودية لن تسمح بخلق كيانات موازية على حدودها الجنوبية.

في المقابل، كان الرد الإماراتي سريعاً بعد إخراجها عسكرياً من اليمن، من ناحية عقد اتفاق شامل مع الهند يحول أبو ظبي إلى شريك نووي وقاعدة خلفية للنفوذ في المحيط الهندي.

وكان قد سبق ذلك، الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند الذي يفتح جبهة جديدة على الجانب الأفريقي من البحر الأحمر، فالمشهد هنا يتحول إلى تنسيق إماراتي إسرائيلي إثيوبي هندي في مواجهة المحور السعودي التركي المصري.

وفي الوسط، تقف باكستان التي تميل تاريخياً نحو الرياض، لكن خطر التمدد الهندي لازال ماثلاً في الجوار.

القوى الكبرى.. الصين وروسيا والهند في سباق النفوذ

لا يمكن فهم التحرك الباكستاني بمعزل عن المصالح الصينية، فمناورات “حارس البحر-3” التي نفذتها مع بكين في نوفمبر الماضي كانت الأكبر من نوعها، وشاركت فيها مدمرات صينية وغواصات.

وحملت هذه المناورة رسائل صينية واضحة: تأمين ممرات الطاقة والتجارة المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، وحماية الاستثمارات في ميناء جوادر الباكستاني المطل على بحر العرب.

الهند من جانبها لم تكن بعيدة، فالاتفاق الاستراتيجي مع الإمارات يضع نيودلهي في موقع الخيار البديل لأبو ظبي، ويمنحها موطئ قدم في موانئ المنطقة في وقت تتصاعد فيه المنافسة مع باكستان.

أما روسيا، فتدير غرفة عمليات دبلوماسية موازية، حيث مكالمة بوتين مع ترمب لم تكن فقط لإنهاء الحرب، بل لترسيم تفاهمات جديدة حول النفوذ في المنطقة، وفي كل هذه الحسابات يبقى اليمن هو الرهان الأكبر.

إيران تختار قائداً جديداً.. رسالة تحدٍ واستمرارية

في خضم هذا المشهد المعقد، أعلنت إيران الأحد الماضي تعيين مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، خلفاً له في منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية. جاء القرار بتصويت “حاسم” من مجلس خبراء القيادة المؤلف من 88 عضوا.

حمل الاختيار دلالات عميقة تتجاوز كونه مجرد ترتيب خلافة؛ فمجتبى خامنئي (56 عاما) ليس وجهاً سياسياً عادياً؛ يتمتع الرجل بنفوذ واسع داخل أجهزة الأمن الإيرانية، وخاصة الحرس الثوري، كما يمتلك شبكات اقتصادية واسعة ورثها عن والده، وهو ما يؤكده إعلان الحرس الثوري فور تعيينه الولاء والطاعة له، كما قررت المؤسسة العسكرية الوقوف خلف القيادة الجديدة بكامل ثقلها.

فالرسالة الإيرانية كانت واضحة: الضربات الموجعة التي أزالت القيادة القديمة لن تفلح في إسقاط النظام أو دفعه للانهيار كما كانت تخطط له إسرائيل وأمريكا؛ لكن على العكس من ذلك، جاء الرد باختيار قيادة أكثر تشدداً وأكثر ارتباطاً بالحرس الثوري، ما يعني أن طهران تميل إلى خيار التصلب في موقفها وليس التراجع.

وتكشف ردود الفعل الدولية عن عمق الاستقطاب، حيث هدد الرئيس ترامب بأن أي قائد جديد “لن يصمد طويلاً بدون موافقة أمريكية”، أما إسرائيل توعدت بملاحقة الخليفة الجديد، وقالت إنها ستستهدف كل من يشارك في تعيينه. في المقابل، أعلن بوتين دعمه الثابت وتضامنه مع إيران في هذه المرحلة، مؤكدا أن موسكو ستبقى شريكا لطهران.

بدورها كانت الصين قد حذرت من التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية.

بالنسبة لليمن، فإن الشيء الأكثر دلالة أن جماعة الحوثي رحبت فوراً بتعيين مجتبى خامنئي، واعتبرت الخطوة دليلاً على “قوة إيران وتماسكها على المستويات القيادية والشعبية والمؤسسية”.

يحمل هذا الترحيب الحوثي السريع رسالة ضمنية: أن الجماعة تعتبر نفسها جزءً من محور المقاومة الذي تقوده القيادة الجديدة، وأن أي تصعيد في المستقبل قد يشهد تنسيقا أوثق بين الجماعة وإيران.

اليمن نقطة الارتكاز المهددة

لم يعد اليمن مجرد دولة تعاني من حرب داخلية مفتوحة، لكنه تحول إلى الساحة التي تتصادم فيها المشاريع الكبرى، بالتزامن مع ملامح تشكل مشروع إقليمي تقوده السعودية، فمن يسيطر على السواحل اليمنية المطلة على الممرات البحرية في المنطقة، يمسك بزمام أحد أهم الممرات المائية في العالم، إذ يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية و30% من تجارة الحاويات تقريبا، وهو ما تشير إليه التطورات، حين كانت الإمارات تخطط له بالتنسيق مع إسرائيل، قبل أن تتدخل السعودية لإفشال مخططاتها في اليمن.

هنا تنتقل التحولات اليمنية الداخلية إلى شأن إقليمي بامتياز، فالتحذيرات التي خرج بها اجتماع مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد العليمي قبل أيام وجدد التأكيد عليها في اجتماع له الاثنين الماضي، كانت واضحة: لا انجرار خلف التصعيد الإيراني.

لكن الخطر الأكبر لا يأتي فقط من الحوثيين، بل من احتمالية استغلال الانقسامات الجنوبية في لحظة إقليمية حساسة.

في اللحظة الراهنة، تمثل المحافظات الجنوبية المطلة على خليج عدن والبحر العربي وباب المندب الورقة الأكثر قابلية للاستخدام، فإبقاء ملف الحوار بين المكونات الجنوبية مفتوحاً دون نتائج واضحة قد يسمح لقوى إقليمية باستغلاله لتثبيت وجودها على السواحل اليمنية في أي ترتيبات مقبلة، وهذا ما تريد الرياض تجنبه، وهو ما يفسر مساعيها لتسريع هذا الحوار قبل فوات الأوان. فترك مساحات ذات عمق جيوسياسي فارغة خطأ استراتيجي، وستجد من يملئها بمشاريع لا تخدم أي عملية استقرار مستدام في المنطقة.

البحر الأحمر ساحة الصراع الجديدة

ما يجري اليوم في البحر الأحمر وبحر العرب هو أكثر من مجرد مناورات عسكرية أو تنسيقات دبلوماسية؛ بل إعلان أن عصر الهيمنة الأحادية على الممرات المائية قد ولى، وأن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التوازنات المعقدة.

في اللحظة ذاتها التي يتفاوض فيها الروس والأمريكيون على إنهاء الحرب على إيران، تتحرك العواصم الإقليمية لتأمين مواقعها في مرحلة ما بعد التصعيد.

باكستان تدخل الخط في التوقيت الصحيح، مستغلة حاجتها لتأمين ظهرها الاستراتيجي ورغبة السعودية في دعم لموازنة النفوذ الإيراني والإماراتي والإسرائيلي في المنطقة.

كما تبحث تركيا عن موطئ قدم في البحر الأحمر، وتتصدى مصر لأي تهديد لأمنها المائي، وسط مواصلة الإمارات العمل على تثبيت مشروعها البحري الطموح.

في هذا الوسط الإقليمي المعقد، لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي، بل أصبح ساحة اختبار للتوازنات الدولية الجديدة. ويبقى اليمن هو مركز الثقل الذي سيرسم مصيره شكل الخريطة الجديدة للمنطقة: إما أن يكون جزءً من المعادلة كطرف فاعل عبر تسريع الترتيبات السياسية الداخلية، أو يتحول إلى الساحة التي تتصارع عليها باقي الأطراف.

يتطلب الخيار الأول وحدة داخلية وحكمة، أما الثاني فسيحول اليمن إلى ضحية دائمة في صراع نفوذ لا ينتهي.

ظهرت المقالة بين تحركات باكستان وصراع المحاور.. هل يصبح اليمن نقطة ارتكاز المعركة المقبلة؟ أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية