الرشادبرس_مقالات
بقلم: فريد العولقي
في خضم التصريحات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة، استوقفني تصريحٌ عاجل لمسؤول عسكري إيراني، لوّح فيه بإمكانية إغلاق ممرات بحرية حيوية إذا ما ارتكبت الولايات المتحدة “خطأً” بحسب وصفه. إن مثل هذه التهديدات لا يمكن بأي حال من الأحوال التعاطي معها بوصفها مجرد خطاب إعلامي عابر، بل هي رسالة سياسية وعسكرية صريحة، تحمل في طياتها نية مبيتة لتوسيع دائرة الصراع وتأجيج التوتر الإقليمي.
وعندما تصدر هذه التهديدات من طهران، تتجه الأنظار فوراً صوب مضيق باب المندب؛ ذاك الشريان الملاحي العالمي الأهم، والبوابة الرئيسة لتدفق التجارة الدولية نحو قناة السويس ومنها إلى الأسواق الأوروبية والعالمية. إن أي محاولة لتحويل هذا المضيق إلى ساحة للصراع العسكري ليست مجرد مقامرة غير محسوبة، بل هي تهديد مباشر لمنظومة التجارة العالمية، وهو أمرٌ يقع خارج حدود الصبر الدولي ولا يمكن للمجتمع العالمي القبول به أو التغاضي عنه.
وهنا يجب أن تبلغ الرسالة مداها وتكون بمنتهى الوضوح: إذا ما حاولت ميليشيا الحوثي تنفيذ أو دعم أي عمل يهدد سلامة الملاحة في باب المندب، استجابةً للإشارات والتعليمات القادمة من طهران، فإنها بذلك لا تدخل معركة إقليمية محدودة، بل تفتح على نفسها أبواب مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي بأسره. فالممرات البحرية الدولية ليست حلبات للمساومة السياسية أو المغامرات العسكرية، وأي مساس بها يُعد اعتداءً صارخاً على المصالح الدولية المشتركة، وهو ما سيستدعي حتماً رداً واسعاً وحاسماً لا هوادة فيه.
وعلى الطرف الآخر، تبرز مسؤولية الحكومة اليمنية الشرعية (مجلس القيادة الرئاسي)، التي يتعين عليها أن تكون في أعلى درجات الجاهزية والاستعداد؛ فحماية باب المندب ليست مجرد خيار سياسي، بل هي واجب سيادي وأمني مقدس لا يقبل التهاون. وإذا ما حاولت أي جهة تحويل السواحل اليمنية إلى منصات لتهديد هذا الممر الحيوي، فإن الحكومة الشرعية تمتلك الحق القانوني والأخلاقي الكامل في التحرك عسكرياً لحماية السيادة الوطنية وتأمين الملاحة الدولية. ومثل هذا التحرك لن يكون معزولاً، بل سيحظى بدعم وغطاء دولي شامل، وفي مقدمته مساندة الولايات المتحدة والدول المعنية بحماية طرق التجارة العالمية.
إن الحقيقة التي يجب أن يدركها الحوثي قبل غيره هي أن الانزلاق في مغامرة من هذا النوع لن يحقق له مكاسب سياسية، بل سيضعه في مواجهة مباشرة مع قوى دولية عظمى، وسيحول ما يتوهم أنه “ورقة ضغط” إلى عبء إستراتيجي ثقيل سيؤدي في النهاية إلى تقويض وجوده.
ختاماً، إن باب المندب ليس ورقة في يد إيران، وليس ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية الضيقة؛ إنه ممر دولي حيوي يجب أن يظل مفتوحاً وآمناً للجميع. ومن يعتقد واهماً أنه قادر على تحويله إلى أداة للابتزاز، سيكتشف سريعاً أنه لم يشعل أزمة عابرة، بل فتح على نفسه أبواب جحيم من المواجهة لن يكون بمقدوره أبداً تحمل تبعاتها أو النجاة من نتائجها.
أخبار ذات صلة.