عربي
يوم الاثنين الماضي، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب سفن العالم وناقلات النفط للعبور من مضيق هرمز. وقال ترامب في مقابلة مع "فوكس نيوز" لشركات الشحن "أظهروا بعض الشجاعة"، معتبراً أن الخوف من التهديدات الإيرانية في غير محله. وتابع "لقد أغرقنا سفنهم"، زاعماً أن القوات الأميركية دمرت معظم القدرات البحرية ومنصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، وبالتالي "لا يوجد ما يدعو للخوف" على حد تعبيره.
كذا أعلن ترامب يوم الجمعة الماضي عن خطة لإعادة التأمين بقيمة 20 مليار دولار لإنعاش حركة الملاحة عبر المضيق، وقال إنها ستدخل حيز التنفيذ فوراً. واقترح ترامب أيضاً استخدام سفن مرافقة بحرية لتوفير ممر آمن لناقلات النفط في الخليج.
إلا أن ما حصل في الواقع يظهر فشل ترامب في السيطرة على المضيق. إذ تعرضت سبع سفن على الأقل للهجمات الإيرانية، منذ دعوة ترامب الناقلات للتحلي بالشجاعة، بينها باخرة شحن أميركية أمس الخميس. في المقابل، أكدت وكالة "رويترز" يوم الثلاثاء أن البحرية الأميركية رفضت طلبات شبه يومية من قطاع الشحن لتوفير مرافقة عسكرية عبر مضيق هرمز منذ بداية الحرب على إيران، قائلة إن خطر الهجمات مرتفع للغاية في الوقت الحالي.
وكتب وزير الطاقة الأميركي كريس رايت منشوراً على موقع إكس ذكر فيه أن البحرية نجحت في مرافقة سفينة واحدة عبر المضيق. إلا أنه عاد وحذف المنشور سريعاً يوم الثلاثاء، فيما أكد البيت الأبيض أنه لم تتم مرافقة أي سفينة نفط من قبل البحرية الأميركية. وكانت إيران أكدت أنها لن تسمح بمرور "لتر واحد" من النفط من المنطقة إذا استمرت الضربات الأميركية-الإسرائيلية على إيران.
ومنذ ذلك الحين، لم تغامر سوى سفينتين غير مرتبطتين بإيران أو روسيا بالمرور عبر المضيق، منذ أن قال ترامب إنه "سيضمن التدفق الحر للطاقة إلى العالم". إحدى تلك السفن أصبحت "مظلمة" من خلال إيقاف تشغيل جهاز الإرسال والاستقبال الخاص بها، وأشارت سفينة ثانية إلى أنها مملوكة ومدارة من قبل طاقم صيني.
وأمس الخميس، قالت شركة الشحن الألمانية هاباج لويد HLAG.DE إن شظايا مقذوفات أصابت سفينة الحاويات "سورس بليسنغ" التي ترفع علم ليبيريا بالقرب من مضيق هرمز. كذا اشتعلت النيران في ناقلتين في المياه العراقية بعدما تعرضتا لهجوم من قبل زوارق إيرانية محملة بالمتفجرات، وتعرضت ثلاث سفن أخرى للهجوم في الخليج. وأفادت هيئة الأمن البحري بتعرض سفينة حاويات أخرى لهجوم من مقذوف مجهول بالقرب من الإمارات العربية المتحدة.
وأعلن الحرس الثوري الإيراني، الخميس، أن سلاحه البحري استهدف ناقلة النفط "Safe Sia" في شمال الخليج، والتي قال إنها مملوكة للولايات المتحدة الأميركية وكانت ترفع علم جزر مارشال، مؤكدا أن استهدافها جاء بعد عدم امتثالها للتحذيرات الصادرة عن القوة البحرية التابعة للحرس الثوري. أما الأربعاء، فقد تعرضت 6 ناقلات على الأقل للهجمات الإيرانية وفق إحصاءات "رويترز".
وتتعامل الأسواق العالمية مع صدمة جيوسياسية مزدوجة، تتمثل في فشل عملي بحماية الملاحة عبر مضيق هرمز، واتساع نطاق المخاطر نحو باب المندب، مع استهداف ميناء صلالة الذي كان يمثل أحد أهم منافذ الالتفاف على الاختناقات في الخليج.
إذ مع انتقال التوتر جنوبا نحو باب المندب، تحذر تحليلات أوروبية من أن الجمع بين تضييق الخناق على هرمز وتعطيل الملاحة عبر البحر الأحمر يعيد رسم خريطة طرق التجارة البحرية؛ فشركات الحاويات الكبرى، وفي مقدمتها ميرسك، علقت المرور عبر باب المندب وقناة السويس، واتجهت إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما يضيف أياما إلى زمن الشحن ويرفع الكلفة بما بين 5 و20% ما ينعكس لاحقا على أسعار السلع للمستهلك النهائي في أوروبا وأميركا وآسيا، وفقا لما أورده تقدير نشره موقع شبكة CNBC في 11 مارس الجاري.
ويرى الخبير في الاقتصاد السياسي، رائد المصري، أن التطورات الراهنة تثبت أن الولايات المتحدة عاجزة عن ضمان أمن الملاحة العالمي، معتبران أن الحرب شنها الرئيس ترامب بتحريض من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأدت إلى تأثير مباشر على المستهلك الأمريكي أولا، نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار النفط وتكاليف تأمين ناقلات النفط والغاز، بحسب إفادته لـ "العربي الجديد".
ويؤكد المصري أنه مع استمرار الحرب تتصاعد التكاليف والأسعار يوميا دون أفق واضح لمن سيحمي أمن الملاحة الذي يمتد حتما من مضيق هرمز مرورا بباب المندب وصولا إلى البحر الأحمر، ما يضع العالم أمام أزمة طاقة كبرى وركود اقتصادي عميق قد يماثل في خطورته الأزمة المالية العالمية لعام 2008 التي تلت الحروب الأميركية الكبرى وانهيارات الأسواق آنذاك.
وفي ظل هذا "السيناريو التخريبي"، حسب تعبير المصري، يفتقر المشهد الدولي حاليا إلى أي مبادرات واضحة لحماية سلاسل الطاقة والتوريد، خاصة مع تعطل منشآت النفط والغاز في دول محورية مثل إيران وقطر، مشيرا إلى أن استمرار هذا الوضع يؤسس لإعادة النظر جذريا في برامج الاقتصاد الدولي وهيكلة علاقات الإنتاج بشكل يختلف تماما عن النمط المعمول به تحت مظلة منظمة التجارة العالمية.
ويرى المصري أن الحرب ستؤدي بالضرورة إلى صياغة اتفاقات جديدة تحكم الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، "نظرا لأن العبث بهذا القطاع الحيوي لم يعد مقبولا في ظل الأزمات المتراكمة التي تعيشها أوروبا بسبب الحرب الروسية الأوكرانية وانقطاع التوريد عنها"، وفق تقديره.
بدوره، يشير الخبير الاقتصادي، د.بيار الخوري، لـ "العربي الجديد"، إلى أن الأزمة الراهنة في مضيقي هرمز وباب المندب يجب التعامل معها على أنها لحظة اختبار بنيوي للاقتصاد العالمي، لا مجرد توتر عابر في ممرات الشحن، إذ يرى أن تراكم الصدمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، من الخليج إلى البحر الأحمر، يعيد تفعيل نقاط الضعف القديمة في النظام الاقتصادي والمالي الدولي التي كشفتها أزمات سابقة، "لكن في بيئة أكثر هشاشة بفعل الديون المرتفعة، وتشظي سلاسل الإمداد، وحرب العملات الخفية بين الكتل الاقتصادية الكبرى".
وفي تحليله لقائمة أغلى خمسين علامة تجارية عالمية لعام 2026، ينوه الخوري إلى هشاشة هيمنة عمالقة التكنولوجيا مثل آبل ومايكروسوفت وغوغل أمام أي تصعيد في ممرات التجارة الشرق أوسطية الحيوية كمضيق هرمز وباب المندب، ويربط بين تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة والمدخلات الصناعية وبين خلخلة مباشرة لهذه القيم السوقية العملاقة، محذرا من أن الاستقرار الجيوسياسي في هذه النقاط يظل الركيزة الأساسية لاستدامة مراكزها في الصدارة.
كما يربط الخوري بين أي تعطل واسع للملاحة في هرمز وباب المندب وبين عودة نمط "صدمة النفط" الكلاسيكية، ويشدد في المقابل على أن العالم اليوم أقل قدرة على تحمّل صدمات أسعار طويلة الأمد مما كان عليه في السبعينيات، بسبب بنية نمو تعتمد على الائتمان الرخيص، وأن أي قفزة حادة ومستدامة في الأسعار ستدفع الاقتصادات المتقدمة بسرعة نحو مزيج خطير من التضخم والركود، وهو ما سينعكس حتما على الطلب على النفط والغاز في المدى المتوسط، ويحول المكاسب السعرية المؤقتة لدول الخليج إلى مصدر قلق استراتيجي يهدد استدامة إيراداتها.
ويتوقف الخوري عند البعد المالي للأزمة، ليشير إلى أن الممرات البحرية ليست مجرد خطوط لنقل البضائع، بل أعصاب لشبكة معقدة من المشتقات المالية والعقود الآجلة وأدوات التحوط المرتبطة بالنفط والشحن والتأمين، وأن أي اضطراب حاد في حركة الناقلات ينعكس فورا على تقلبات هذه الأدوات، ويفتح الباب أمام موجات مضاربة قد تضاعف أثر الصدمة الفعلية، بحيث تتحول المخاطر اللوجستية المحدودة زمنيا ومكانيا إلى موجة صدمات مالية عابرة للحدود، تصيب بورصات السلع والعملات وأسواق الدين في آن واحد.
ويحدد الخوري 3 سيناريوهات زمنية متوقعة للتصعيد، حيث يقتصر الأثر في حالة شهرين على تذبذبات مؤقتة بالبورصات الخليجية وارتفاع تكاليف التأمين البحري مقابل مكاسب لحظية لشركات الطاقة كأرامكو وشل من قفزات أسعار النفط، دون تغيير هيكلي في ترتيب قائمة العلامات التجارية العالمية، بينما يتعمق الضغط في سيناريو الستة أشهر ليضرب التصنيع واللوجستيات باختناقات توريد وارتفاع تكاليف الشحن. أما السيناريو الأخطر فيتمثل في امتداد الصراع لأكثر من سنتين، ويتوقع فيه الخوري إعادة تشكيل خريطة القوى المالية العالمية، وبروز شركات الطاقة بما هي ملاذات اضطرارية تصعد مراكزها على حساب القطاعات المتضررة.
