عربي
ليست الطائرات المقاتلة في أفلام هوليوود دائماً مجرد مؤثرات سينمائية. ففي مئات الأعمال السينمائية والتلفزيونية، جاءت هذه الطائرات من مخازن وزارة الدفاع الأميركية نفسها. منذ أربعينيات القرن الماضي، طوّر البنتاغون نظام تعاون رسمي مع استوديوهات هوليوود يتيح للمنتجين استخدام قواعد عسكرية وحاملات طائرات ومعدات قتالية حقيقية، مقابل منح الجيش حق مراجعة السيناريو.
تكشف دراسات أكاديمية ووثائق حصل عليها باحثون عبر قوانين حرية المعلومات، أن هذا التعاون لم يقتصر على الدعم اللوجستي، بل شمل أحياناً طلب حذف مشاهد تُظهر القوات المسلحة سلباً أو تعديلها. يصف بعض الباحثين هذه العلاقة بأنها جزء مما يسمى "المجمع العسكري الترفيهي".
تتولى وكالة الشؤون العامة التابعة لوزارة الدفاع إدارةَ مكتب الوسائط الترفيهية (EMO)، وهو المركز التنسيقي الأساسي لهذا التعاون. توضح الوزارة أن هذا المكتب يدعم الاستوديوهات وشركات الإنتاج والمخرجين وكتاب السيناريو في إنتاج الأفلام والمسلسلات.
وبحسب ورقة نشرها الباحث تانر ميرليز في فبراير/شباط 2025، فإن هذه العلاقة احترافية ومنظمة للغاية، إذ تمتلك كل ذراع عسكرية مكتب تنسيق ترفيهي خاصاً بها، يعمل حلقة وصل مع المنتجين. تشترط التعليمات العسكرية أن يساهم العمل الفني في تعزيز فهم الجمهور للجيش ويدعم برامج التجنيد والبقاء في الخدمة. ومنذ بدايات صناعة الترفيه قبل أكثر من قرن، أُنتج أكثر من 2500 فيلم وبرنامج تلفزيوني بمساعدة مباشرة قدّمها البنتاغون.
بدأ هذا التحالف في عهد الرئيس وودرو ويلسون، الذي جنّد صانعي الأفلام لحشد الدعم الشعبي لمشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى. قدّم الدعم الفني لفيلم "ولادة أمة" (The Birth of a Nation) عام 1915 مهندسون عسكريون لتصوير مشاهد المعارك. وخلال الحرب العالمية الثانية، اعتبر مكتب معلومات الحرب (OWI) هوليوود "صناعة حربية أساسية".
صرّح مدير المكتب آنذاك، إلمر ديفيس، بأن أسهل طريقة لغرس فكرة دعائية في عقول الناس هي عبر وسيط ترفيهي لا يدركون فيه أنهم يتعرضون للدعاية. لاحقاً، في الخمسينيات، أُنشئ مكتب إنتاج الصور المتحركة (MPPO) لمساعدة أفلام مثل The Longest Day. ورغم فتور العلاقة خلال حرب فيتنام، إلا أنها استعادت قوتها في الثمانينيات مع فيلم Top Gun.
تتعاون الاستوديوهات مع البنتاغون لتقليل تكاليف الإنتاج الضخمة، فيمثل الوصول إلى المعدات العسكرية دعماً مالياً غير مباشر يُعرف بـ"الدعم العيني". ولتوضيح حجم الفارق المادي، تبلغ تكلفة مقاتلة واحدة من طراز إف - 35 أكثر من 80 مليون دولار، بينما تتراوح ميزانية إنتاج حلقة تلفزيونية متوسطة بين مليونين وخمسة ملايين دولار. وتبلغ تكلفة حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد فورد نحو 13.3 مليار دولار، مع تكاليف تشغيل يومية بالملايين.
في المقابل، تتراوح ميزانية فيلم حربي كامل بين 50 مليوناً و100 مليون دولار. هذا التفاوت يجعل الشراكة خياراً اقتصادياً حتمياً للمنتجين، مقابل السماح للجيش بالتدخل بوصفه "طبيب سيناريو".
لا تقتصر الشراكة على توفير المعدات، بل تتطلب امتثالاً لسياسات البنتاغون، ما يؤدي أحياناً إلى مراجعة تاريخية جذرية. تبرز في هذا السياق عدة أمثلة وثقتها الدراسات؛ ففي فيلم Godzilla الصادر عام 2014 حُذفت إشارات لضحايا قنبلتي هيروشيما وناغازاكي بعد ملاحظات من البنتاغون اعتبرت أن التشكيك في قرار القصف سيكون "عائقاً أمام التعاون". وفي فيلم Iron Man الصادر عام 2008، عُدّل السيناريو لإزالة الانتقادات الصريحة التي وجهها توني ستارك للجيش.
إلى جانب ذلك، في فيلم GoldenEye، الصادر عام 1995، غُيّرت جنسية الأدميرال الذي قتله الشرير من أميركي إلى كندي لتجنب تشويه صورة الأفراد العسكريين الأميركيين. وبطبيعة الحال، يحضر فيلم Top Gun الذي صدر عام 1986 مثالاً مهمّاً؛ إذ أصرت البحرية على تغيير مشهد وفاة شخصية غوس (Goose) كي لا يتسبب في إحباط المجندين المحتملين.
كذلك، يمثّل فيلم Captain Marvel الصادر عام 2019 نموذجاً معاصراً لكيفية استخدام هوليوود لتعزيز الصورة العامة والتعويض عن أزمات التجنيد. أشرف ضباط شؤون عامة، مثل العقيد ناتان بروشير، على تقديم المشورة لمارول، وظهر طيارون حقيقيون في المشاهد.
تزامن صدور الفيلم مع حملة "قصة الأصل" (Origin Story) التي استهدفت الفتيات الشابات، محققة 200 مليون تفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي. أدى ذلك إلى ارتفاع نسبة المتقدمات لأكاديمية القوات الجوية إلى 31.2% عام 2023، وهي النسبة الأعلى خلال خمس سنوات.
مع ذلك، فإن الواقع الفعلي يشير إلى وجود 103 طيارات مقاتلات فقط في القوات الجوية الأميركية بحلول عام 2023، ما يمثل 6.5% فقط من إجمالي الطيارين. في عام 2023، دفع البنتاغون لاستوديوهات تلفزيونية لدمج رسائل "صديقة للجيش" في برامج غير حربية تستهدف الجيل زد.
شمل ذلك برامج شهيرة، مثل: The Kelly Clarkson Show وGuy Fieri's All-American Road Trip و America's Got Talent وThe Price is Right. تهدف هذه الخطوة إلى تطبيع وجود القوات المسلحة في الحياة اليومية العامة بعيداً عن سياقات الحرب المباشرة، لغرض تحسين الصورة الذهنية وجذب المجندين.
تؤدي هذه الشراكة إلى بناء صورة نمطية تعيد صياغة مفهوم "الإمبراطورية الأميركية" بوصفها قوة خير مطلقة. توثّق ورقة الباحث تانر ميرليز أن الأفلام المدعومة من البنتاغون تصور الحروب على أنها ضرورة مجيدة، متجاهلة الدمار الإنساني والبيئي.
فعلى سبيل المثال، فيلم Black Hawk Down الصادر عام 2001، يركز على بطولة الجنود الأميركيين مع تهميش مقتل المدنيين الصوماليين الذين ظهروا حشوداً غير مميزة، وكانوا مجرّد كتلة بشرية.
كذلك، صوّر فيلم American Sniper الصادر عام 2014 كريس كايل منقذاً للمدنيين العراقيين، في حين أن الغزو الأميركي للعراق عام 2003 أدى إلى مقتل ما بين 100 ألف و500 ألف شخص.
بدوره، صوّره فيلم Iron Man البطل منقذاً للأفغان، بينما تشير الإحصاءات إلى مقتل ما لا يقل عن 46 ألفاً و319 مدنياً خلال الاحتلال الأميركي لأفغانستان. تساهم هذه المنتجات في تعزيز القبول الشعبي لميزانيات الدفاع الضخمة، التي بلغت نحو 850 مليار دولار في طلب ميزانية عام 2025.
وبدلاً من إثارة نقاش ديمقراطي حول الموارد العامة، فإن الترفيه العسكري (Militainment) يعمل على تحويل الحرب إلى استهلاك ترفيهي يومي يطمس التعقيدات الأخلاقية للنزاعات المسلحة.
تتلقى وزارة الدفاع الأميركية سنوياً نحو 200 طلب مساعدة من استوديوهات الأفلام والتلفزيون. وفي المتوسط، تساهم الوزارة في دعم سبعة أفلام سينمائية كبرى و93 مشروعاً تلفزيونياً وسينمائياً أصغر كل عام.
تعكس هذه الأرقام استمرارية التحالف الذي بدأ منذ قرن، محولاً شاشات السينما إلى ساحات نفوذ سياسي مغلفة بصور مبهرة وتقنيات بصرية عالية الجودة، تجعل من الصعب على المشاهد العادي التمييز بين الفن والدعاية.
