عربي
منذ اللحظة التي بدأت فيها الضربات الإسرائيلية الأميركية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، بدا المشهد الإعلامي الفرنسي وكأنه يتحرك داخل إطار واحد تقريباً. على شاشات القنوات الإخبارية وفي صفحات الصحف الكبرى، تكررت الرواية ذاتها: إيران مصدر تهديد نووي محتمل، وواشنطن وتل أبيب قوتان تتحركان لمنع خطر إقليمي. لكن خلف هذا الإجماع الظاهري، كانت تتشكل ببطء قصة أخرى في التغطية الإعلامية؛ قصة البديل السياسي في إيران. وفي قلب هذه الرواية اسم واحد يتكرر باستمرار: رضا بهلوي (1960)، ابن آخر شاه حكم البلاد قبل الثورة الإيرانية عام 1979.
لم يظهر بهلوي فجأة على الشاشات الفرنسية مع اندلاع الحرب. فقبل الضربات بأسابيع، بل أشهر، كان حضوره يتعزز تدريجياً داخل الفضاء الإعلامي الفرنسي. في فبراير، ظهر في نشرة الأخبار الرئيسية على قناة "تي إف 1" (TF1)، إحدى أكثر النشرات مشاهدة في البلاد. وبعدها بعشرة أيام فقط، تصدّر غلاف مجلة لو بوان، في صورة أعادت تقديمه بوصفه شخصية سياسية جدية يمكن أن تقود إيران بعد سقوط النظام.
هذا الحضور الإعلامي لم يكن وليد المصادفة، إذ جاء نتيجة شبكة من العلاقات والوسطاء الذين عملوا على إيصال صوته إلى المنابر المؤثرة. وتشير تقارير صحافية، بينها ما نشره موقع أكريميد، المتخصص في مراقبة الإعلام في فرنسا، إلى أن أحد المستشارين السابقين في المشهد السياسي الفرنسي لعب دوراً في ترتيب ظهوره الإعلامي، في خطوة منحت اسمه دفعة قوية داخل النقاش العام. وهكذا، تحوّل الرجل الذي يعيش في المنفى منذ عقود إلى ضيف دائم تقريباً على الشاشات والصفحات السياسية.
في الوقت نفسه، كانت مجموعة من الشخصيات الإعلامية والمعلقين تتحرك في الاتجاه نفسه. بعضهم قدّم نفسه بوصفه خبيراً في الشأن الإيراني، وبعضهم الآخر ناشطاً في الدفاع عن الشعب الإيراني. لكن القاسم المشترك بينهم كان ترويج فكرة واحدة: أن الإيرانيين ينتظرون عودة الملكية، وأن رضا بهلوي يمثل الأمل الوحيد لإسقاط النظام الحالي.
من بين هذه الأصوات برزت أسماء مثل منى جعفريان، التي تحضر بانتظام في البرامج التلفزيونية الفرنسية. تُقدَّم غالباً بوصفها ناشطة أو مؤثرة سياسية، وتستغل ظهورها الإعلامي للتأكيد على أن الحل في إيران يمر عبر دعم المعارضة المرتبطة بوريث الشاه. وفي مقابلاتها المتكررة، لا تكتفي بمهاجمة النظام الإيراني، بل توجه أيضاً انتقادات حادة إلى اليسار الفرنسي، متهمة إياه بالتغاضي عما تصفه بـ"طبيعة النظام الإيراني".
في الاتجاه نفسه، ظهرت الأكاديمية الإيرانية ــ الفرنسية مهناز شيرالي في عدة برامج على قنوات مثل "سي نيوز" (CNews) و"فرانس إنفو" (France Info) و"سود راديو" (Sud Radio). وهناك أيضاً يتكرر الخطاب نفسه تقريباً، المبني على تصوير المجتمع الإيراني بوصفه مجتمعاً ينتظر عودة الملكية، مع تحميل اليسار الفرنسي مسؤولية تجاهل هذه "الحقيقة".
وفي إحدى المقابلات الإذاعية، ذهبت شيرالي إلى حد القول إن الإيرانيين "معادون للإسلام" ويحرقون المساجد، في خطاب يعكس كيف تمتزج القراءة السياسية للوضع الإيراني في الإعلام الفرنسي أحياناً بسجالات داخلية تتعلق بالهوية والسياسة في فرنسا نفسها.
لكن ترويج فكرة عودة الشاه لم يقتصر على هذه الأصوات، إذ وجد هذا الخطاب صدى واضحاً داخل جزء من الإعلام الفرنسي المحافظ، خصوصاً المنابر المرتبطة بما يُعرف بمجموعة بولوريه الإعلامية. ففي إحدى حلقات إذاعة "أوروبا 1"، استُضيف أفراد من عائلة بهلوي في برنامج حمل عنواناً صريحاً: "إيران بحاجة إلى ملكية". وفي "سي نيوز"، قدّم رضا بهلوي ببساطة بوصفه "ولي العهد الإيراني"، في صياغة تعطي انطباعاً بأن الأمر يتعلق بلقب سياسي قائم، لا بشخصية منفية منذ عقود.
إلى جانب ذلك، لعب بعض الصحافيين دوراً بارزاً في إعادة بناء صورة إيجابية للعائلة الملكية السابقة، من بينهم الصحافي إيمانويل رضوي الذي أجرى عدة مقابلات مع رضا بهلوي ونشر مقالات تمتدح والدته الإمبراطورة فرح ديبا.
هناك ميل إعلامي متزايد لطرح رضا بهلوي بوصفه "البديل" في إيران
وفي إحدى المقابلات، افتتح أسئلته بعبارة "صاحب السمو الإمبراطوري"، وهي صيغة تعكس بوضوح طبيعة العلاقة بين الصحافي وموضوعه. وفي مقالات أخرى، كتب نصوصاً ذات طابع عاطفي عن حياة الإمبراطورة في المنفى، مقدماً إياها بوصفها شخصية إنسانية كرست حياتها لخدمة الشعب الإيراني.
هذه السردية الإعلامية لم تكن منفصلة عن سياق سياسي أوسع. فالكثير من المدافعين عن رضا بهلوي يربطون بين سقوط النظام الإيراني وإعادة تموضع إيران في التحالفات الإقليمية، خصوصاً في ما يتعلق بعلاقتها مع إسرائيل والولايات المتحدة. وفي بعض البرامج والمقالات يظهر هذا الربط بوضوح، إذ يُقدَّم بهلوي بوصفه حليفاً طبيعياً للغرب ووجهاً ليبرالياً يمكنه إعادة إيران إلى الفلك الغربي.
في المقابل، يكاد يغيب من التغطية الإعلامية الفرنسية نقاش آخر لا يقل أهمية: سؤال تقرير المصير داخل المجتمع الإيراني نفسه. فبين الرواية التي تقدّم النظام الإيراني بوصفه خطراً عالمياً، والرواية التي تطرح عودة الملكية حلاً جاهزاً، نادراً ما تظهر في الإعلام الفرنسي أصوات إيرانية تدافع عن خيارات سياسية أخرى أو عن مسارات انتقال ديمقراطي لا تمر عبر عودة الشاه.
مع اندلاع الحرب، بدا هذا الإطار الإعلامي وكأنه يكتمل. فبينما كانت القنوات الإخبارية تنقل صور القصف والاشتباكات، كانت بعض البرامج تستضيف شخصيات قريبة من بهلوي للحديث عن اليوم التالي في إيران. وهكذا تحوّل النقاش، في كثير من الأحيان، من تحليل أسباب الحرب أو تداعياتها الإقليمية إلى سؤال مختلف: من سيحكم إيران إذا سقط النظام؟
