عربي
مع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تتضح الفوائد غير المباشرة التي تجنيها روسيا، مقابل صعوبات متزايدة تواجه أوروبا سياسياً واقتصادياً. وأوضح رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، البرتغالي أنطونيو كوستا، أمام سفراء الاتحاد الأوروبي في بروكسل أن الحرب أعادت تشكيل موازين الطاقة العالمية، ومنحت موسكو موارد جديدة لتمويل حربها في أوكرانيا، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز الذي يعزز قدراتها المالية ويمكّنها من دعم صناعاتها الدفاعية وتخفيف الضغط على الاقتصاد المحلي، ما يجعل روسيا الفائز الأكبر في النزاع.
المكاسب الروسية: النفط والأسواق العالمية
وفق تحليلات كبار الخبراء الاقتصاديين الأوروبيين، تمثل أزمة الطاقة الحالية "نعمة غير متوقعة" لروسيا. فقد تجاوز سعر برميل خام برنت 100 دولار، وهو مستوى لم تشهده الأسواق منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. ويشير في تصريحات للتلفزة الدنماركية "دي آر" كبير المحللين في بنك "دانسكا بنك" والمتخصص في سوق النفط العالمي، ينس نيرفي بيدرسن، إلى أن هذه الأزمة تسمح لموسكو بتصدير نفطها بكميات أكبر وبأسعار أعلى، بما يشمل إعفاءات مؤقتة لدول مثل الهند لشراء النفط الروسي رغم العقوبات.
هذه المكاسب الاقتصادية لا تقف عند حد المال، بل تمتد لتشمل القطاع العسكري الروسي، حيث يمكن استقطاب المزيد من العمالة، ورفع الأجور، وتحسين القدرات الدفاعية، وفق ما يراه الباحث والكاتب الدنماركي جون غراوسغورد في حديث مع "العربي الجديد". وأضاف غراوسغورد إلى أن ذلك "يتيح أيضاً لروسيا إعادة توجيه بعض الموارد العسكرية التي كان من الممكن استخدامها لدعم أوكرانيا، ما يعزز موقفها الاستراتيجي على الجبهة الأوروبية".
الانشغال الأميركي في الشرق الأوسط وتداعياته على أوكرانيا
ويرى بعض الخبراء الأوروبيين، وبينهم بيتر فيغو ياكوبسن من الأكاديمية الدفاعية الدنماركية، وفق قناة "تي في 2" في كوبنهاغن، أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران أزاحت جزءاً من التركيز العسكري الأميركي عن أوكرانيا. ويوضح ياكوبسن أن الولايات المتحدة استهلكت خلال أيام قليلة أكثر من 800 صاروخ باتريوت، وهو ما يفوق ما قدمته لأوكرانيا خلال السنوات الأربع الماضية. هذا الاستنزاف العسكري يؤثر بشكل مباشر على قدرة واشنطن على دعم أوكرانيا، ويمنح روسيا هامش مناورة أكبر، كما أن التركيز الأميركي على الشرق الأوسط يقلل من الاهتمام الدولي بالجبهة الأوكرانية.
الاستفادة الدبلوماسية الروسية
وتتيح الأزمة لموسكو أيضاً تعزيز علاقاتها مع إيران وبعض الدول الإقليمية الأخرى من دون مواجهة انتقادات مباشرة من واشنطن. رغم ذلك، يضيف لـ"العربي الجديد" الباحث غراوسغورد أن التأثير الدبلوماسي محدود، نظراً إلى تراجع مكانة روسيا في الشرق الأوسط بعد سقوط نظام الأسد في سورية، لكنها لا تزال تستفيد من الفراغ السياسي الذي أحدثته الانشغالات الأميركية في المنطقة.
أوروبا المنقسمة: هشاشة واستجابة متباينة
تعكس أوروبا حالة من الانقسام العميق أمام الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، إذ اتخذت بعض الدول موقفاً صريحاً برفض الحرب واعتبارها انتهاكاً للقانون الدولي، مثل النرويج، وإسبانيا التي رفضت العمل العسكري الأحادي، إذ أكّد رئيس وزرائها بيدرو سانشيز أن الدفاع عن الشرعية الدولية والتزام القيم الأوروبية أولوية. موقف سانشيز جاء نتيجة لرغبة مدريد في الدفاع عن شرعية المؤسسات الدولية، والحفاظ على مصداقية أوروبا أمام شعوبها، خصوصاً في مواجهة سياسة ترامب الأحادية التي تجاهلت حتى الأمم المتحدة. من ناحيتها أعربت أورسولا فون دير لاين أمس الأربعاء عن قلق أوروبا من آثار الحرب على استقرار المنطقة وأسعار الطاقة، مؤكدة ضرورة اتخاذ إجراءات لتخفيف التبعات الاقتصادية للأزمات، من دون وصف الضربات الأميركية-الإسرائيلية بأنها انتهاك صريح للقانون الدولي.
في المقابل، اختارت دول أخرى البراغماتية لتجنب صدام مع واشنطن، مثل ألمانيا التي لم تعارض الرئيس ترامب رغم تحفظاتها، بينما صعدت فرنسا بقيادة إيمانويل ماكرون لتأكيد أن الهجمات خارج نطاق القانون الدولي. تصاعد السجال بين ترامب وإسبانيا كشف هشاشة أوروبا أمام الضغوط الأميركية، وأعاد إلى الواجهة صعوبة توحيد الموقف الأوروبي في أزمات كبرى.
هذا التباين في المواقف يظهر بوضوح الصعوبة الأوروبية في الوصول إلى موقف موحد، ويجعل القارة عرضة للتأثيرات السلبية الاقتصادية والسياسية، فيما تستفيد روسيا من الفوضى وارتفاع أسعار الطاقة.
تأثير الحرب على الطاقة والدبلوماسية والقانون الدولي
دفعت الحرب أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية، ما زاد الضغط المالي على الاقتصادات الأوروبية، وعزز قدرة روسيا على الاستفادة من صادرات الطاقة وتمويل حربها في أوكرانيا. دبلوماسياً، أضعفت الحرب قدرة أوروبا على التحدث بصوت موحد أمام واشنطن، بينما منحت روسيا هامش مناورة أكبر في إعادة ترتيب تحالفاتها الإقليمية وتخفيف الضغط الدولي عليها.
على صعيد القانون الدولي، تم تجاوز المبادئ الأساسية لمجلس الأمن والأمم المتحدة، مع اعتماد ضربات أحادية الجانب، ما خلق سابقة خطيرة تهدد النظام الدولي القائم على القواعد، وتؤكد هشاشة أوروبا في الدفاع عن هذه القواعد، بينما تستفيد روسيا من الفوضى والانقسام الأوروبي.
التأثيرات الاقتصادية المباشرة على أوروبا
أدت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران إلى موجة صعود حادة في أسعار الطاقة بأوروبا. وبحسب بيانات رسمية وتصريحات صادرة عن رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين، شهدت أسواق الطاقة على مدار 12 يوماً من اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ارتفاعاً مهماً في التكلفة: ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنحو 50%، ما يزيد الضغط الاقتصادي على الدول الأوروبية ويهدد ميزانياتها بسبب الاعتماد على الوقود المستورد.
في ضوء هذه التطورات، يظهر بوضوح أن تصريح كوستا عن أن روسيا هي الرابح الأكبر من الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران يكتسب بعض المصداقية. فالمكاسب الروسية تراوح بين الاقتصادية، من ارتفاع أسعار النفط، والعسكرية، من إعادة توجيه الموارد، إلى الدبلوماسية، من التخفيف الجزئي للضغط الدولي. في المقابل، تواجه أوروبا تحديات متزايدة: ضعفاً في القدرة على التحدث بصوت موحد، وارتفاع تكاليف الطاقة، ومخاطر الهجرة/اللجوء، وضغوطاً على القانون الدولي. والحرب تظهر روسيا طرفاً ذكياً يستفيد من الفوضى، بينما تبرز أوروبا في موقف المتفرج المتأثر بالصراع من دون القدرة على التأثير المباشر، ما يعكس هشاشة الاستقلال السياسي للقارة أمام الضغوط الأميركية.
