النصر الموهوم ومأزق واشنطن للخروج من الحرب في إيران
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
في يونيو/ حزيران الماضي انتهت الحملة الأميركية الإسرائيلية على إيران بعد 12 يوماً من دون تداعيات مباشرة. أمّا اليوم، بعد مرور 12 يوماً على الحملة الثانية، فقد بدأت تتكشف إشكالاتها المفتوحة على شتى الاحتمالات والسيناريوهات. الفارق بين الحملتين أن الأولى كان هدفها محدداً بوضوح: ضرب المنشآت النووية. أمّا هذه المرة، فلا أهدافها محسوبة بدقة ولا كيفية إنهائها محسومة، ما أدى إلى الوقوع في مأزق استراتيجي. وهكذا رست المواجهة بالنسبة إلى واشنطن على خيارين: إما التصعيد النوعي والدخول إلى مياه الخليج عبر مضيق هرمز لتأمين ملاحة النفط وتجنب أزمة اقتصادية أميركية ودولية، وهو خيار محفوف بالمخاطر، وخصوصاً بعد استهداف إيران اليوم ناقلتي نفط هناك؛ وإما التحرك نحو البحث عن مخرج تفاوضي. السردية المتقلبة التي اعتمدتها الإدارة الأميركية وغياب الاستراتيجية الواضحة يرجحان الاحتمال الثاني كما يتوقع فريق من المراقبين والمحللين، وعلى رأسهم ريتشارد هاس، الدبلوماسي المخضرم وأحد أبرز خبراء السياسة الخارجية الأميركية. ويسود واشنطن هذه الأيام أجواء من الذهول والخشية غير المسبوقة من التورط المكلف أكثر من أي مرة سابقة، في الشرق الأوسط، إذ لا يبدو أن أحداً يعرف إلى أين تتجه الحرب، لا كونغرس ولا إدارة ولا مستشارين، بل إن الوحيد الذي يقرر بشأن مصيرها هو الرئيس دونالد ترامب، كما قال وزير الحرب بيتر هيغسيث، وبالتالي هو الذي يرسم مسارها الى حدّ بعيد. وفي هذا السياق، بدت تقديرات الرئيس محيرة، وأقرب إلى حركة بندول ساعة الحائط، إذ بين يوم وآخر، وأحياناً بين ساعة وأخرى، تتغير تحديثات البيت الأبيض للحرب بين "اقتراب نهايتها" والتوعد بتصعيدها "لاستكمال المهمة". يوم الاثنين الماضي فاجأ الجميع بإشارته المتفائلة، ولأول مرة لـ"نهاية قريبة" للحرب، في تصريح أدى إلى ارتفاع مفاجئ في أسواق الأسهم وتراجع ملحوظ لأسعار النفط وهبوطها إلى تحت المئة دولار، وسط اعتقاد بأن البيت الأبيض يمهد لإعلان قرار وقف الحرب من موقع "المنتصر" وإنهاء المسألة عند هذا الحد. غير أن التفسير الأرجح لذلك، أن الإدارة الأميركية أدركت أن من الأنسب وقف العمليات في الوقت الحاضر، بعد تعذر إسقاط النظام تحت وطأة الضربات الجوية، لكن هذا الانطباع لم يلبث أن تراجع مع عودة الخطاب الملتبس الصادر عن البيت الأبيض، الأمر الذي محا سريعاً التصحيح الذي شهدته الأسواق. وكان أحدث تجلياته ما قاله ترامب الأربعاء خلال تجمع انتخابي في ولاية كنتاكي، حين أعلن "كسب" المعركة، قبل أن يؤكد في الوقت نفسه ضرورة "إكمال المهمة"، ولعل ذلك يشير إلى حذره من أن يؤخذ عليه التسرع في إعلان "النصر الوهمي"، كما فعل الرئيس بوش الابن في 2003 عندما أعلن بعد فترة قصيرة من غزو القوات الأميركية للعراق بـ"إنجاز المهمة". والباقي معروف.  وعليه، فإن التشابه واضح بين الحالتين، إذ قد يكون الرئيس ترامب قد تعمّد الالتباس لإرباك طهران، فالحيلة جزء من أدوات الحرب، غير أن سردية ترامب من البداية متضاربة وبما أثار الكثير من الاعتراض والدهشة في واشنطن، حتى في صفوف الجمهوريين. مع ذلك، لم يتزحزح البيت الأبيض عن هذا النهج الذي انتهى إلى قبول إيران التحدي و"الإمساك بالمبادرة"، رغم تزعزع وضعها العسكري، بما انعكس ذلك في ضربها لناقلتي النفط الذي أدى إلى ارتفاع أسعار البرميل إلى فوق مئة دولار. ومن المتوقع عودة أسواق الأسهم الخميس إلى الهبوط، إذ إن أزمة النفط صارت معطى وبما يهدد الاقتصاد العالمي بـ"الركود"، في وقت يتزايد فيه التململ الداخلي، في الكونغرس والرأي العام. لإخماد الانتقادات، ولو مؤقتاً، سارعت الإدارة إلى خيار الاستعانة بالاحتياطي النفطي الاستراتيجي لاستعارة 170 مليون برميل من أصل 400 مليون برميل تقرر أخذها من احتياطات دول منظمة الطاقة الدولية الـ32 لسد حاجاتها للمحروقات لمدة 20 يوماً، إذ فرض انسداد مضيق هرمز، أو عدم مجازفة الناقلات في عبوره، هذه الخطوة، خصوصاً بعد استهداف الناقلتين الأربعاء، وفي ذلك تأكيد للتوقعات باستمرار الحرب في المدى القريب في أفضل الحالات. ولكسر مأزق الإدارة؛ عاد في اليومين الأخيرين إلى التداول موضوع الاستعانة بقوات أميركية برية، وربما كان ذلك لجس النبض، خصوصاً أن هذا الخيار يثير معارضة عارمة في وقت كان فيه البيت الأبيض قد استبعد هذا الاحتمال من البداية. لكن للمأزق ديناميته الخاصة. يقول التاريخ إنه لا يقين في الحرب، خصوصاً في هذه الحرب التي اتسمت بالمفاجآت والتقلبات، وقد يكون في جعبتها المزيد من هذه البضاعة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية