عربي
مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط الذي يهز أسواق النقل العالمية، تواجه شركات الطيران تهديداً إضافياً، إذ ارتفع سعر وقود الطائرات بوتيرة أسرع بكثير من أسعار النفط الخام. وحتى شركات الطيران التي تستخدم عقود التحوط للحماية من الارتفاعات المفاجئة في أسعار النفط بدأت سريعاً الإعلان عن زيادات في أسعار التذاكر، وفرض رسوم إضافية على الوقود، وخفض السعة التشغيلية، في ظل قفزة غير مسبوقة في هوامش التكرير منذ بداية الحرب في المنطقة.
وعادة ما تتحرك أسعار وقود الطائرات بالتوازي مع أسعار النفط، لكنها تضاعفت منذ اندلاع الصراع مع إيران، متجاوزة بكثير الارتفاع الذي بلغ نحو الثلث في أسعار النفط الخام، ما يلقي بظلاله على هوامش الأرباح ويثير قلق شركات الطيران حول العالم. وقالت المديرة المالية لشركة كاثي باسيفيك، ريبيكا شارب، في هونغ كونغ بعد إعلان نتائج الشركة يوم الأربعاء: "إنه ارتفاع دراماتيكي. تحوطنا يعتمد على النفط الخام وليس على وقود الطائرات. لذلك، بينما يوفر لنا هذا التحوط بعض الحماية، فإنه بطبيعة الحال لا يحمينا بشكل كامل من سعر وقود الطائرات."
رابحون وخاسرون
لا تمتلك شركات الطيران الكبرى في الولايات المتحدة والصين عقود تحوط حالياً، ما يتركها مكشوفة بالكامل أمام ارتفاع أسعار الوقود. وقال خبير الطيران هانس يورغن إلنايس إن التاريخ يظهر أن الأسعار تميل إلى البقاء مرتفعة لأشهر خلال فترات الاضطرابات مثل أزمات الشرق الأوسط. بدوره قال ناثان جي، رئيس أبحاث النقل في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى بنك أوف أميركا: "تقليدياً، شركات الطيران منخفضة التكلفة التي تنقل أكثر الركاب حساسية للأسعار هي الأكثر تعرضاً للضغط في مثل هذه الظروف."
ومع ذلك، يظل التحوط سلاحاً ذا حدين، فعلى الرغم من أنه يمكن أن يحمي شركات الطيران من الارتفاعات المفاجئة في تكاليف الوقود عبر استخدام عقود المشتقات المالية، فإنه قد يؤدي أيضاً إلى خسائر عندما تنخفض الأسعار، إذ قد تضطر الشركات إلى شراء الوقود بأسعار أعلى من السوق في عقود المبادلة، وهو نوع من عقود التحوط تسبب بخسائر لبعض الشركات في الماضي.
في أوروبا، حيث يعد التحوط ممارسة شائعة، فإن ارتفاعاً مستداماً بنسبة 10% في أسعار وقود الطائرات قد يقلص أرباح التشغيل لشركة الطيران منخفضة التكلفة "ويز إير" بنسبة تصل إلى 31% هذا العام، بحسب بنك "جيه بي مورغان". أما التأثيرات لدى شركات "إير فرانس–كي إل إم" و"لوفتهانزا" و"آي إيه جي" المالكة لـ"بريتيش إيرويز" ورايان إير فتتراوح بين 3% و10%.
وأعلنت شركة "ويز إير"، التي أشارت إلى خسارة قدرها 50 مليون يورو (57.74 مليون دولار) نتيجة الصراع في الشرق الأوسط، أنها تحوطت بنسبة 83% من احتياجاتها من وقود الطائرات حتى مارس/آذار، لكنها مغطاة بنسبة 55% فقط للسنة المالية المنتهية في مارس/آذار 2027. وقال رئيسها التنفيذي جوزيف فارادي لوكالة رويترز الأسبوع الماضي إن الشركة محمية جيداً وليست مكشوفة بالكامل.
قفزة في هوامش التكرير
في آسيا، كانت أسعار وقود الطائرات أعلى بنحو 21 دولاراً للبرميل من أسعار النفط قبل الصراع، لكن هامش التكرير اتسع ليصل إلى نحو 144 دولاراً في الرابع من مارس/آذار، قبل أن يتراجع إلى مستوى مرتفع بشكل غير معتاد عند 65 دولاراً حتى يوم الأربعاء. وقال ناثان جي من بنك أوف أميركا: "هذا هو ما انفجر الأسبوع الماضي، وهو المجال الذي تكون فيه معظم الشركات أقل حماية". ولا تسير شركتا "إير نيوزيلندا" و"كانتاس الأسترالية" رحلات إلى الشرق الأوسط، كما أن أكثر من 80% من احتياجاتهما من النفط الخام محوط حتى نهاية النصف الأول من العام في يونيو/حزيران. ومع ذلك فقد رفعتا بالفعل أسعار التذاكر لحماية هوامش الأرباح.
وقال بنك أوف أميركا إن صافي أرباح شركات الطيران الآسيوية في عام 2026 قد ينخفض في المتوسط بنسبة 6% مقابل كل زيادة قدرها 10 دولارات للبرميل في هوامش التكرير لمدة 90 يوماً، إذا لم تقابل ذلك زيادات في الأسعار. وأشار محللو القطاع إلى أن العديد من شركات الطيران الآسيوية لا تمتلك تحوطاً أو أنها تتحوط فقط مقابل مؤشر خام برنت، في حين تبرز شركتا الخطوط الجوية السنغافورية وفيرجن أستراليا كحالتين تتمتعان بحماية أكبر من ارتفاع أسعار وقود الطائرات. وقالت شارب من كاثي باسيفيك إن العديد من شركات الطيران لا تتحوط ضد وقود الطائرات لأن سوقه أصغر بكثير وأكثر كلفة من سوق النفط. وأضافت: "السوق ضيقة جداً، وهذا يجعل التحوط مكلفاً للغاية. أسعار الوقود قد تكون شديدة التقلب، وليس لدينا كرة بلورية لمعرفة ما الذي سيحدث في المستقبل."
في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع هوامش التكرير إلى مستويات غير معتادة، تبدو شركات الطيران أمام معادلة معقدة بين إدارة المخاطر وحماية أرباحها. فاستراتيجيات التحوط التي صُممت أساساً لمواجهة تقلبات أسعار النفط الخام لا تبدو كافية للتعامل مع الارتفاعات الحادة في أسعار وقود الطائرات، ما يدفع الشركات إلى اللجوء إلى رفع أسعار التذاكر وفرض رسوم إضافية لتعويض التكاليف المتزايدة. ومع بقاء سوق التحوط لوقود الطائرات محدوداً ومكلفاً، يظل القطاع عرضة لموجات تقلب جديدة قد تعيد رسم ملامح التكاليف وهوامش الربحية في صناعة الطيران العالمية.
(الدولار= 0.8660 يورو)
(رويترز، العربي الجديد)
