عربي
يطرح الاقتصاديون سيناريوهين متباينين لمسار الاقتصاد العالمي في ظل الحرب مع إيران. ففي السيناريو الأول ينتهي الصراع في المنطقة بسرعة، ما يسمح لأسعار النفط والغاز الطبيعي بالعودة إلى مستوياتها الطبيعية بحلول الصيف، ويُبقي تأثير الحرب بالنمو والتضخم محدوداً. أما السيناريو الثاني فيفترض استمرار الاضطرابات في إمدادات الطاقة لفترة أطول، الأمر الذي قد ينعكس مباشرة على تكاليف المعيشة اليومية، مثل أسعار المواد الغذائية والسفر الصيفي.
ويشير السيناريو المتشائم لبنك غولدمان ساكس إلى احتمال ارتفاع أسعار النفط مجدداً إلى حدود 100 دولار للبرميل، واستقرارها عند مستويات مرتفعة، وهو ما قد يقتطع نحو نصف نقطة مئوية من النمو العالمي، ويرفع معدل التضخم بنحو نقطة مئوية خلال العام المقبل. وفي ما يلي أبرز الدول والاقتصادات التي قد تتضرر أكثر من غيرها، وتلك التي قد تستفيد، وفق ما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال.
الولايات المتحدة محصّنة نسبياً
أسهم ازدهار استخراج النفط الصخري خلال العقد الماضي في تحويل الولايات المتحدة إلى مُصدّر صافٍ للطاقة، ما خفّف من تعرضها لصدمات أسعار النفط. ومع ذلك، لا يزال أكبر اقتصاد في العالم عرضة لبعض التداعيات. فقد ارتفع سعر غالون البنزين العادي بنحو 20% منذ اندلاع الصراع، وهو ما قد يقلّص القدرة الشرائية للأسر الأميركية ويحدّ من إنفاقها على سلع وخدمات أخرى.
كما أن ارتفاع تكاليف الوقود يهدد أرباح شركات الطيران ومشغلي الرحلات البحرية والقطاع الصناعي، في حين قد تستفيد شركات الطاقة الأميركية من هذه التطورات. وتشير تقديرات مؤسسة "أكسفورد إيكونوميكس" إلى أنه إذا بلغ متوسط سعر خام برنت نحو 80 دولاراً للبرميل خلال الأشهر المقبلة، فقد يرتفع التضخم في الولايات المتحدة بنحو 0.2%، بينما قد يتراجع النمو الاقتصادي بنحو 0.1%.
أسعار الطاقة المرتفعة لا تعني مكاسب للمنطقة
رغم أن دول الخليج عادة ما تستفيد من ارتفاع أسعار النفط، فإن تعطّل حركة الملاحة في مضيق هرمز قيّد صادرات الطاقة، وأجبر بعض المنتجين على خفض الإنتاج. ووفق تقديرات "كابيتال إيكونوميكس"، قد يؤدي صراع قصير إلى انكماش اقتصادات الخليج بنحو 2% هذا العام، بينما قد يسبب استمرار الحرب لفترة طويلة تراجعاً يصل إلى 15%.
ومن المتوقع أن تتعرّض الكويت وقطر لأكبر الضغوط نتيجة اعتماد اقتصاديهما الكبير على قطاع الطاقة، في حين قد تتمكن السعودية والإمارات من الحد من الخسائر عبر زيادة الشحنات النفطية عبر خطوط الأنابيب. كما أن الصراع أضرّ بصورة الاستقرار التي سعت دول الخليج إلى ترسيخها خلال السنوات الماضية، وهو ما قد يهدد مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى، مثل رؤية السعودية 2030، التي تعتمد إلى حد كبير على جذب الاستثمارات الأجنبية.
ومن المرجح أيضاً أن يتضرر قطاع السياحة في المنطقة، إذ قد ينخفض عدد الزوار الدوليين بنحو 27% هذا العام، بحسب تقديرات شركة "تورزم إيكونوميكس"، ما قد يؤدي إلى خسائر تصل إلى 56 مليار دولار من الإيرادات. وامتدت تداعيات الأزمة إلى بقية المنطقة، إذ سجل الجنيه المصري هذا الأسبوع أدنى مستوى له على الإطلاق مقابل الدولار، وسط مخاوف من أن تؤدي كلفة واردات الطاقة المرتفعة إلى زيادة الضغوط على المالية العامة. كما يُتوقع أن تزيد الحرب من تعقيد الأزمة الاقتصادية التي تعانيها إيران.
أوروبا: صدمة طاقة جديدة ولكن أقل حدّة
قد يعرقل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة تعافي الاقتصاد الأوروبي الذي بدأ يتشكل مؤخراً. ويعتمد الاتحاد الأوروبي على واردات الوقود الأحفوري لتلبية نحو 58% من احتياجاته من الطاقة، وهو مستوى مرتفع مقارنة بمعظم الاقتصادات الكبرى، باستثناء كوريا الجنوبية واليابان. ورغم أن الدول الأوروبية لا تستورد كميات كبيرة من الطاقة مباشرة من الشرق الأوسط، فإنها تتأثر بارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية. فقد أدى تراجع الإمدادات من الخليج إلى احتدام المنافسة على الإمدادات المتاحة في مناطق أخرى، ما دفع أسعار الغاز في أوروبا إلى الارتفاع بأكثر من 50% خلال الشهر الجاري.
وتشير توقعات "أكسفورد إيكونوميكس" إلى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على التضخم في منطقة اليورو قد يكون أكبر بثلاث مرات مقارنة بالولايات المتحدة. وتُعد إيطاليا من أكثر الدول عرضة لارتفاع الأسعار، نظراً لاعتمادها الكبير على الغاز الطبيعي المسال القادم من قطر. ومع ذلك، لا يتوقع معظم الاقتصاديين تكرار أزمة الطاقة التي واجهتها أوروبا عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، حين تجاوزت أسعار الغاز الطبيعي 300 يورو (348 دولاراً) لكل ميغاواط ساعة، ما دفع التضخم إلى أكثر من 10%. أما حالياً فتبلغ أسعار الغاز نحو 50 يورو لكل ميغاواط ساعة.
الصين: قدرة أكبر على امتصاص الصدمة
تُعد الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، لكنها أمضت سنوات في تعزيز قدرتها على مواجهة صدمات الطاقة. وتشير التقديرات إلى أن بكين تمتلك أكثر من مليار برميل من النفط في احتياطيات استراتيجية، وهو ما يكفي لتغطية الاستهلاك لعدة أشهر. كما استثمرت الصين بكثافة في الطاقة المتجددة، وقدمت دعماً واسعاً لقطاع السيارات الكهربائية، فضلاً عن امتلاكها قطاعاً كبيراً من الفحم يمكن الاعتماد عليه في حالات الطوارئ.
في المقابل، تعتمد اليابان وكوريا الجنوبية بدرجة أكبر على واردات النفط من المنطقة، رغم امتلاكهما أيضاً احتياطيات كبيرة من الخام. كما تعتمد العديد من الاقتصادات الآسيوية على واردات الغاز الطبيعي المسال من المنطقة، وهو وقود يصعب تخزينه لفترات طويلة، ما يجعل الإمدادات أكثر عرضة للنقص. وتُعد باكستان وتايوان من أكثر الدول عرضة لأزمة في هذا المجال، وفق "كابيتال إيكونوميكس".
وقد بدأت بعض الدول بالفعل اتخاذ إجراءات لتقنين استهلاك الطاقة، إذ فرضت كوريا الجنوبية وتايلاند سقوفاً لأسعار الوقود، فيما بدأت الحكومة العسكرية في ميانمار تقنين الوقود للسيارات الخاصة. وفي باكستان، طُلب من بعض الموظفين الحكوميين العمل من المنزل، كما أعلنت السلطات خططاً لإغلاق المدارس لمدة أسبوعين. أما في الفيليبين، فقد طُلب من المؤسسات الحكومية إطفاء الحواسيب وقت الغداء وضبط أجهزة التكييف بحيث لا تقل الحرارة عن 75 درجة فهرنهايت.
النفط الروسي يعود إلى الواجهة
وفرت الحرب مع إيران لموسكو فرصة اقتصادية غير متوقعة، ولو بشكل مؤقت. فقبل اندلاع الحرب، كانت روسيا تواجه صعوبة في تسويق نفطها بسبب العقوبات الغربية. غير أن اضطراب الإمدادات في منطقة الخليج قد يدفع العديد من الدول إلى زيادة الطلب على النفط الروسي، ما قد يعزز موقع موسكو في علاقاتها مع كبار المستوردين مثل الصين والهند. كما خففت الولايات المتحدة بعض القيود، ما سمح لبعض المشترين باستئناف شراء النفط الروسي. في الوقت نفسه، تساهم أسعار النفط والغاز المرتفعة في زيادة إيرادات الحكومة الروسية، إذ يجري تداول النفط الروسي حالياً فوق مستوى 59 دولاراً للبرميل، وهو السعر الذي تحتاجه موسكو لتحقيق توازن في ميزانيتها.
أميركا اللاتينية وكندا بين المستفيدين
من المتوقع أن تدعم أسعار الطاقة المرتفعة النمو الاقتصادي في الدول المنتجة للنفط مثل كندا والبرازيل وفنزويلا، التي بدأت تدريجياً زيادة إنتاجها بعد الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو في يناير/ كانون الثاني. ومع ذلك، يتوقع اقتصاديون أن تواجه هذه الدول أيضاً ارتفاعاً طفيفاً في معدلات التضخم، نتيجة زيادة أسعار الوقود وتذاكر الطيران على المستوى العالمي.
وتكشف الحرب عن هشاشة التوازن في الاقتصاد العالمي، إذ لا تقتصر تداعياتها على الدول المنخرطة مباشرة في الصراع، بل تمتد عبر قنوات الطاقة والتجارة والتضخم إلى معظم الاقتصادات. فبينما قد تستفيد بعض الدول المصدّرة للطاقة من ارتفاع الأسعار، تتحمل اقتصادات أخرى كلفة أعلى للواردات وتباطؤاً في النمو. ويعني ذلك أن مسار أسعار الطاقة وطول أمد الصراع سيبقيان العامل الحاسم في تحديد حجم الخسائر والمكاسب، في وقت يظل فيه الاقتصاد العالمي حساساً لأي اضطراب جديد في أسواق الطاقة.
