مصير العام الدراسي في لبنان بين التمييز و"العدالة التربوية"
عربي
منذ يوم
مشاركة
تشبه قضية مصير العام الدراسي في لبنان واستئنافه من عدمه قصّة ذلك الفلاح الذي قرّر زيارة ابنتيه المتزوّجتين في قريتين متباعدتين. ركب حماره وقصدهما، ولمّا رجع من سفرته سألته زوجته عن أحوالهما فأجابها: إذا "شتت" مصيبة، وإذا ما "شتت" مصيبة؛ أي إذا أمطرت أو لم تمطر السماء فالمصيبة حاصلة، لأن إحداهما لديها وزوجها معمل فخار يجب أن يجف تحت الشمس كي يتمكّنا من تخزينه وعرضه بعدها للبيع. أما الثانية فمتزوجة من مزارع، وقد بذر أرضه الجافة قمحاً، ويجب أن تمطر كي ينبت القمح. فإذا أمطرت السماء خرب الفخار، وإذا لم تمطر خرب القمح. وعليه، فالخسارة حاصلة لإحداهما في الحالين.  تقريباً الوضع الذي يعانيه المسؤول، وهو هنا وزيرة التربية والتعليم العالي في لبنان ريما كرامي، هو نفسه الذي تحدث عنه الفلاح حول مصدر رزق صهريه وابنتيه. فإذا قررت الوزارة التدريس، في ظل العدوان الذي يتعرض له البلد، حرمت عشرت ومئات ألوف التلامذة من حقهم بالمساواة مع رفقائهم، ممن لم يعانوا كارثة النزوح، وما زالوا في مدارس يقيمون قربها في بيوتهم بمناطق آمنة. واذا قررت إبقاء المدارس مقفلة، كما يطالب البعض، حرمت تلامذة لا جريمة لهم من حقهم بالدراسة. أي أنه مهما كان الحل، دوماً هناك طرف خاسر. هذه الإشكالية لها ملابساتها الاجتماعية والطبقية والطائفية حتى. وفي لبنان كل مشكلة ذات وجوه وتفسيرات وملابسات متعددة.  ولنبدأ مع موجة التهجير التي حدثت مع مطلع شهر آذار/ مارس الجاري، بعيد الغارات الإسرائيلية على لبنان التي تبعتها إنذارات تلقّتها عشرات القرى والبلدات والمدن بالإخلاء، وقصف صواريخ الطائرات على مناطق الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية وأجزاء من البقاع. والحصيلة أفواج من النازحين يتدفّقون ليلاً تغصّ بهم الطرقات نحو مناطق يعتبرونها آمنة، هرباً من قصف لا يتوقف ويجعل من المباني أكوام حجارة.  وجدت الدولة اللبنانية نفسها أمام سيل المهجرين القادمين من المناطق المستهدفة، ولم تجد لديها كأماكن إيواء سوى المدينة الرياضية في بيروت والمدارس الرسمية فأعلنتها مراكز إيواء، وشرعت في تجهيز مبانيها بالفرش والأغطية ومقومات أدوات وأوعية الطعام والشراب، وتزويدها بمياه الاستعمال وغيرها من ضرورات العيش، ومعه نقلت النازحين من النوم في عراء الشوارع إلى غرف المدارس. إذن، أقفلت المدارس الرسمية (الحكومية) أبوابها تقريباً في عموم المناطق أمام التلامذة وفتحتها للمهجّرين. وبتفسير آخر، يصبح القول صحيحاً إن تلامذة المدارس الحكومية، وهؤلاء من أبناء الطبقات الفقيرة، باتوا عملياً محرومين من حق التعليم، بالنظر إلى ما صارت عليه صفوفهم، بينما ظل زملاؤهم المسجلون في المدارس الخاصة بمنأى عن استعمال مدارسهم مراكز إيواء.  هان الأمر في الأسبوع الأول، باعتبار أن قراراً قضى بإقفال كل المؤسسات التعليمية، بما فيها الجامعات الخاصة والرسمية. لكن سرعان ما تبددت هذه "المساواتية" عندما أخذت إدارات المدارس الخاصة، بعد الأسبوع الأول من الإقفال، تلحّ على ضرورة فتح مدارسها التي تقع خارج مناطق الاستهداف، ومعها في الموقف نفسه نقابة معلمي المدارس الخاصة. هنا تطور الإشكال بين مصيرَي المدرسة الرسمية والخاصة. روابط معلمي المدارس الرسمية في المراحل الأساسية والثانوية والمهنيات طالبت بإبقاء كل المدارس مقفلة إلى ما بعد عيدي الفطر والفصح، أي حتى نحو منتصف الشهر المقبل. بالطبع كان من المهم للمدرسة الخاصة أن تعاود التدريس، لأن إداراتها عندها تستطيع مطالبة الأهل بدفع المتوجب عليهم من الأقساط. كما يمكن للمعلمين المطالبة بأجورهم التي يتقاضونها لقاء تأديتهم مهام التدريس.  المدافعون عن قرار إبقاء كل المدارس مقفلة استندوا إلى أنه خلال جائحة كورونا أقفلت كل المدارس تقريباً أكثر من عام دراسي، واعتمدت التعليم عن بُعد من خلال الأجهزة التكنولوجية أو التعليم الذي يدمج الحضور الصفي بالتعليم الإلكتروني، لكن ثبت أن ذلك لم يؤمن حق التعليم للجميع، بالنظر إلى فقدان شرائح واسعة من ذوي التلامذة الأجهزة وشبكات الإنترنت وحتى التيار الكهربائي. إذن لم يكن خلالها التعليم متاحاً للجميع. الصورة الآن أشد قسوة. وعليه يمكن اعتبار ضحايا الحرمان من التعليم منتسبين إلى مناطق محددة ومن غالبية طوائف بعينها، ما يساهم في تعميق الهوة الاجتماعية والاقتصادية والطبقية بين اللبنانيين من المدخل التعليمي. بدورها، عرضت الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية خطة لإدارة التعليم، تعتمد تشكيل خلية أزمة في كل مدرسة لتقييم الوضع الأمني واتخاذ القرارات المناسبة، مع استئناف الدروس حضورياً في المناطق الآمنة، وتوفير التعليم المدمج للتلامذة غير القادرين على الحضور. ويمكن للتعليم أن يتحقّق حضورياً على نحو طبيعي في المناطق الآمنة التي تسمح ظروفها بذلك مثل: طرابلس والكورة وعكار والضنية وزغرتا والبترون وجونية وكسروان وجبيل وبشري وزحلة. بعض البلديات حاولت اشتقاق معادلة قوامها أن تخصص المدرسة جزءاً من صفوفها لإيواء المهجرين، وقسماً آخر للتعليم، وبذلك تتماشى مع الظروف القاسية والقاهرة. هذا ولم نتحدث عن النازحين الذين خرجوا من بيوتهم ولم يتمكن أبناؤهم من إحضار كتاب أو دفتر وقلم. هنا نشير إلى رقم كبير من أصل عدد طلاب لبنان ما دون المرحلة الجامعية الذين يصل عددهم إلى نحو مليون وربع مليون. بداية تركت وزيرة التربية ريما كرامي حرية اتخاذ القرار بالتعليم من عدمه إلى المديرين وظروف موقع المدرسة. أما طريقة التعليم فتراوح بين الحضوري أو عن بُعد أو المدمج، وفق الأوضاع الأمنية واللوجستية. ووصفت الوزارة مثل هذا القرار بأنه يسعى إلى تحقيق "الإنصاف التربوي". لكنه الإنصاف غير المنصف لأنه يتخذ في ظل ظروف غير متشابهة من كل النواحي.  ثم أكّدت في مؤتمر صحافي، أن الإنصاف التربوي لا يتحقق بالمقاربة الواحدة للجميع بل بالاستجابة لاختلاف الظروف والاحتياجات واعتماد إجراءات مرنة تسمح لكل مؤسسة تعليمية باتخاذ القرار الأنسب وفق واقعها، بحيث طُلب إلى المدارس والثانويات والمعاهد والجامعات الخاصة تقييم أوضاعها الأمنية بصورة مستمرة واعتماد النمط التعليمي الأنسب لواقعها، سواء حضورياً أو عن بعد أو مدمجاً. أما بالنسبة إلى المدارس والثانويات والمعاهد الرسمية والجامعة اللبنانية جرى اعتماد مقاربة مختلفة، فتقرّر اعتماد التعليم عن بعد كمرحلة أولى خلال الأسابيع القادمة. وأشارت كرامي إلى أنه جرى التمييز بين فئتين من المؤسسات؛ مؤسسات لا يزال طلابها وهيئاتها التعليمية في مناطقهم وسيجرى فيها الانتقال التدريجي إلى التعليم عن بعد ومؤسسات تقع في مناطق شهدت نزوحاً واسعاً حيث يتعذر حالياً انتظام التعليم، فتم التأكيد أن تبقى هذه المدارس المرجعية التربوية لطلابها مع متابعة أوضاعهم والعمل على تعويض ما فاتهم من تعلّم عندما تسمح الظروف، وإيلاء عناية خاصة للتلامذة في مراكز الإيواء لضمان استمرار ارتباطهم بالتعلم. اللافت أن وجود النازحين في المدارس لا يعني إمكانية تعليم أبنائهم في صفوفها لأسباب متداخلة، منها تشتت الهيئات التعليمية والإدارية والسجلات وغيرها من مرفقات العملية التربوية. ويظل الجانب النفسي أكثر قسوة باعتبار أن هؤلاء الأطفال الذين أُخرجوا من بيوتهم وبيئاتهم وسط الرعب، ليس من السهل عليهم أن يتأقلموا مع الوضع الذي صاروا عليه، وهم يتابعون أخبار أطنان القذائف تدكّ بيوتهم وتقتل ذويهم وأترابهم. ما يعني أنه رغم إعلان وزارة التربية استئناف التعليم رسمياً، تواجه المدارس الرسمية وحتى الخاصة صعوبات كبرى، من نزوح الطلاب وتحويل المدارس إلى مراكز إيواء، إلى نقص الأجهزة الإلكترونية والإنترنت، ويترافق ذلك مع عمليات القصف اليومي التي يعاينونها أو تصل إليهم أخبارها، ما يثير تساؤلات حول قدرتهم على متابعة الدراسة وضمان ما يوصف بأنه "العدالة التربوية". ما يجدر ذكره أن الجنوب كاملاً، بدءاً من صيدا وحتى آخر قرية على الحدود، خارج إمكان فتح المدارس، رسمية وخاصة، باعتبار أن الأهالي والمعلمين والتلامذة باتوا لاجئين. وفي حال بقاء قرى خارج دائرة الاستهداف، لا أحد يضمن ألا تغير طائرة أو يسقط صاروخ على مدرسة ما فيؤدي إلى مجزرة. ينسحب الوضع على مدارس الضاحية الجنوبية لبيروت وعلى عشرات القرى في البقاع الغربي ومنطقتي بعلبك – الهرمل، ما يقود إلى الجزم بأن لبنان دخل في حال من اللاعدالة الأمنية يصعب وسطها تحقيق عدالة تربوية. (باحث وأكاديمي)

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية