عربي
ماذا يمكن أن يُخبر الأهالي أطفال لبنان بعدما تجدد العدوان الإسرائيلي؟ كيف نطمئنهم؟ أسئلة كثيرة تُطرح في حدث لم يعد طارئاً في حياة اللبنانيين، بل أصبح نمطاً يتكرّر حتى بلا فسحة للتعافي.
في وقت لم يخرج لبنان بالكامل من العدوان الإسرائيلي عام 2024، وجد نفسه مجدداً منجرفاً في دوامة التصعيد التي تشعل المنطقة منذ إطلاق العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي. ومرة جديدة، كان الأطفال في لبنان في الواجهة في ظل عجز الأهالي المعلق بين دوي القصف الإسرائيلي والنزوح المتجدد، ما يطرح إشكالية كيفية التعاطي مع الأطفال في ظل الأحداث والظروف الصعبة التي يمر بها البلد.
نزحت سمر سرحان من حي السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى مدرسة شكيب أرسلان في منطقة فردان في بيروت. خرجت مع أفراد عائلتها على دراجات نارية ليلة تهديد الضاحية الجنوبية حين اختلطت أصوات القصف بصيحات الناس وأبواق السيارات التي لم تتحملها طفلتها كريستين (11 عاما) "إذ كانت مصدومة وتصرخ وتبكي طوال الطريق". تضيف سمر: "في الصف الذي تنام فيه كريستين الآن في المدرسة التي نزحنا إليها، كل صوت مفاجئ يُعيدها إلى الحرب. يُغلق الباب بقوة في الممر فتقفز مرتعبة. يُسحب كرسي على البلاط، فتتجمّد في أرضها. وتقول لي دائماً لنذهب إلى مكان لا أصوات فيه".
تتحدث خديجة ديب، النازحة من النبطية الفوقا (جنوب) إلى المدرسة نفسها، عن ابنها علي (10 سنوات). تقول: "تعب قبل أوانه، إذ تراجعت صحته منذ الحرب الأولى على لبنان عام 2024، وخف وزنه وتغيرت نظرته، وصار يتعلّق بألعابه ودباديبه (الدببة المصنوعة من الصوف) كأنها خط دفاعه الأخير. ينام والدبدوب تحت ذراعه. لا يسمح لأحد أن يحرّكه. مجرد صوت طائرة يمرّ منخفضاً يجعله ينفصل عن الكون، وتتثبت عيناه في نقطة بعيدة، ثم يبدأ بالصراخ". تضيف: "وصل إلى مرحلة لا يطلب عواطف قريبة، بل حضوراً جسدياً دائماً. لا يريدني أن أذهب إلى العمل أو أن أبتعد عنه. ويقول لي حاولي أن تجدي شغلاً قربي".
أمام مدرسة جميل الرواس في منطقة الطريق الجديدة في بيروت، تجلس زينب كركي التي نزحت من عيترون ومعها ابنها الوحيد علي (5 سنوات) قرب أحد جدران المدرسة ومعها حقيبة صغيرة تتضمن بعض الثياب، وفي هاتفها صور ولقطات لبيت تركوه على عجل.
لا يظهر علي حالياً كما في اللقطات والصور التي تحتفظ بها أمه على هاتفها، فهو كان يركض خلف دجاجات في ساحة البيت، ويتعثر بحذائه الصغير ويضحك، واليوم يجلس على الأرض ويمسك قطعة بلاستيكية مكسورة يوجّهها نحو الفراغ، ويقول: "طخّ طخّ مات". يطلب مسدسات وأي شيء يشبه السلاح. يقلّد أصوات إطلاق النار بدقة مقلقة، كأن أذنيه حفظتا الإيقاع. ويتحدث عن "القتل" بلا ارتباك أو دهشة. وتقول زينب: "العدوانية صارت لعبته الجديدة".
من جهتها، تتحدث زينب عبد الحسين التي نزحت من بلدة حاروف في قضاء النبطية (جنوب) إلى ثانوية رينيه معوض في منطقة الظريف في بيروت، ومعها ثلاثة أطفال، عن أن ابنها هادي (7 سنوات) "لا يظهر أي ردة فعل. يجلس بهدوء مريب. لا يبكي ولا يشتكي". تناديه فيجيب. تطلب منه أن يأكل فيفعل ذلك، لكن عينيه غائبتان. أما علي، وهو توأمه، فيعاني من التبول اللاإرادي، أما اختهما زهراء (16 سنة)، فتسهر ليلاً لأن القلق يمنعها من النوم. تراقب الهاتف وتسمع الأخبار. لا تلعب كثيراً، ولا تضحك بسهولة".
لم تصل حوراء عباس إلى مدرسة، ولا إلى بيت قريب، وصار الطريق نفسه ملجأها. تجلس على مقعد على أحد الأرصفة في بيروت وظهرها إلى جذع شجرة. تحاول أن تحيط أطفالها الثلاثة بذراعيها. أحدهم علي (7 سنوات) الذي يمسك لعبة بلاستيكية يحركها لثوانٍ ثم يتركها، وينظر حوله ويوجه سؤالاً ولا ينتظر أي جواب. تبكي رؤى (3 سنوات) فجأة، وتتعلّق بثوب أمها بقوة. علي ورؤى مشتّتان لا يركّزان في لعبة أكثر من دقائق، وينسيان ما قيل لهما قبل لحظات. تقول حوراء لـ"العربي الجديد": "أحياناً من دون إنذار يحدث تبول لاإرادي، والرضيعة زهراء (15 يوماً) تبكي كأنها تحفظ إيقاع القصف".
تضع المعالجة النفسية للأطفال رهام منذر ما يحدث اليوم مع الأطفال في سياق أوسع من حدث أمني عابر. بالنسبة إليها ليست المشكلة فقط في شدة القصف أو قساوة النزوح، بل في تكرار التجربة قبل استيعاب الأولى. وتقول لـ"العربي الجديد": "لم تنتهِ الصدمة الأولى بعد في دماغ الأطفال، ولم تُستوعب أو تُعالج. وعندما حصل التهجير في لبنان للمرة الثانية، لم يتلقَ الدماغ الحدث باعتباره أمراً جديداً منفصلاً، بل إعادة للكارثة نفسها، كأن الشبكة العصبية المرتبطة بالخطر جرى تفعيلها من جديد، وكأن الجسد يقول نحن في خطر وجودي مرة أخرى".
وتشير منذر إلى "وجود فارق جوهري بين طفل يعيش الصدمة للمرة الأولى وآخر يواجه الصدمة ويختبرها مجدداً. في الحالة الثانية، لا يبدأ الدماغ من نقطة الصفر، بل من جرح مفتوح. القدرة على التكيّف تصبح أضعف لأن التعافي لم يكتمل أصلاً، واستجابة كل طفل تختلف بحسب خصوصيته النفسية وبيئته وطريقة تربيته ومدى شعوره بالأمان داخل أسرته. لكن العامل المشترك بينهم جميعاً هو أنهم يعيشون في بيئة مستمرة من الخطر، ما يجعل حالة التأهّب دائمة، فيعيش الطفل ليس فقط الخوف، بل توقّع الخوف. ما يحدث هو إعادة تفعيل للشبكات العصبية المرتبطة بالخطر. يدخل الجهاز العصبي في وضع القتال أو الهروب. يرتفع الأدرينالين ويضطرب النوم وتتشوش الذاكرة، ويبدأ الجسد بالكلام حين تعجز الكلمات مثل، تبول لاإرادي، قيء مفاجئ، أوجاع في البطن والرأس، صراخ ليلي، تعلّق مفرط بالأهل، عدوانية غير مفهومة، لعب متكرر يتمحور حول الحرب والسلاح، مشاعر ذنب خفية كأن الطفل يعتقد أنه سبب ما حدث".
وتحذّر "من فئة أخرى يُساء فهمها غالباً، هم الأطفال الذين لا يظهرون أي عوارض، ويبدون هادئين أو أقوياء، لكنهم قد يكونون في حالة انفصال نفسي مؤقت، هو نوع من التخدير العاطفي لحماية الذات من الانهيار. الصمت، في بعض الأحيان، ليس شجاعة بل تجميد داخلي".
وتتحدث الاختصاصية الصحية الاجتماعية الخبيرة في الحماية الأسرية رنا غنوي لـ"العربي الجديد" عن أن غالبية أطفال لبنان يعيشون تجربة الصدمة والنزوح والفزع بطريقة متشابهة ومتكررة. وهم لم يتعافوا من الأولى ثم جاءت الثانية. وبمقياس التعافي النفسي، ومع استمرار الأعمال العسكرية خلال العام الماضي، لا يمكن إلا أن نتوقع نتائج أصعب من المرة الأولى".
تتابع: "الطفل الذي خرج من حرب قبل عام، ولم تتح له فرصة استعادة توازنه، وجد نفسه مجدداً أمام المشهد نفسه: حقيبة سريعة، درجٌ يُنزَل على عجل، سيارة أو دراجة نارية تهرب، غرفة صف تتحوّل إلى مكان نوم. والتكرار هنا ليس تفصيلاً لأنه يعمّق الإحساس بعدم الأمان ويرسخ الخوف، ويوجد الشعور الخفي بأن العالم لا يمكن الوثوق به".
ووسط هذا الواقع، تختصر غنوي مسؤولية الأهالي بعبارة بسيطة: "واجبنا أن نكون أمانهم، نحضنهم ونشعرهم أننا قريبون جداً جسدياً ومعنوياً. والقرب الجسدي ليس حركة عاطفية فقط، بل رسالة عصبية مباشرة إلى دماغ الطفل بأن الخطر ليس شاملًا. اللمسة، العناق، الجلوس إلى جنب الطفل إشارات تُهدّئ جهازه العصبي. لكن الطمأنة لا تقف عند العناق".
تضيف غنوي: "حتى في النزوح يجب البحث عن روتين بسيط يحفظ الإحساس بالأمان. محاولة الاستيقاظ في وقت شبه ثابت، وأكل أشياء قريبة مما يحبه الأطفال، وعدم إجبارهم على أكل شيء لا يريدونه حتى في أمور مثل الصوم أو الالتزامات. في لحظة يفقد فيها الطفل السيطرة على المكان، يمنحه الروتين شعوراً محدوداً لكنه أساسي بالاستقرار". وتشدد على أهمية تجنّب الأخبار والتحليلات والصراخ أمامهم "الطفل لا يحتاج إلى كل التفاصيل، بل إلى نبرة هادئة. القلق ينتقل من دون كلمات".
وتنصح غنوي بأهمية إشراك الأطفال، بقدر الإمكان، في خطة الحماية، وتقول: "يجب أن نخبرهم مثلاً أنه إذا سمعنا صوتاً قوياً فسننزل إلى الطابق السفلي، أو أن الحقيبة جاهزة إذا اضطررنا للخروج. المعرفة البسيطة تخفف رهبة المجهول. أيضاً من المهم مساعدة الأطفال على التعبير، ربما بالرسم أو اللعب أو أي وسيلة تفرّغ مّا يزعجهم. الكبت لا يحمي، بل يؤجّل الانفجار".
وتتوقف غنوي عند نقطة شديدة الحساسية، "فالطفل ينتظر أشياء تشبه طفولته. ينتظر مساحته وأصدقاءه، وظروفاً تشبه براءته. حين يُنقل طفل إلى مدرسة باعتبارها مركز إيواء، ويُفرض عليه نظام قاسٍ، ويُطلب منه التكيّف فوراً مع شروط نفسية وجسدية مرهقة، قد يشعر أنه في موقع مختلف عن طفل نزح إلى منزل أقارب أو إلى بيت مستقل، وأحياناً يشعر وكأن ما يحدث نوع من القصاص الجماعي. كأن السؤال الذي لا يُقال بصوت عالٍ هو ما ذنبي لأعيش هذه التجربة؟".
وترى أن "الأخطر هو المقارنات التي ينفذها الأهل بحسن نية عبر القول له انظر إلى فلان وضعه أصعب. هذه العبارات لا تُخفف الألم، بل تجعله أكثر عزلة، والطفل لا يقيس وجعه بمقياس جماعي. وجعه كامل في تجربته الخاصة".
وضمن هذا السياق، تلتقي توصيات غنوي مع أخرى للمعالجة النفسية رهام منذر في نقاط أساسية يمكن تطبيقها حتى في أصعب الظروف، ومن بينها الحدّ من التعرّض للأخبار، أي تقليل وصول الأطفال والمراهقين إلى نشرات الأخبار ووسائل التواصل، لتجنيبهم الصور القاسية، وضبط الأهل انفعالاتهم أمام أطفالهم وتجنّب الهلع المتكرر الذي يعمّق الإحساس بالخطر، ومثلاً عند الرد على سؤال عن أسباب الحرب في لبنان أو النزوح، يُفضَّل استخدام عبارات بسيطة، مثل "هناك من يريد فرض سلطته بالقوة، ونحن نحاول حماية أنفسنا"، أو "نحن نبحث عن أمانكم وسنعود إلى منزلنا عندما يصبح الوضع آمناً". الهدف إعطاء معنى مفهوم ومطمئن.
وتؤكد غنوي أهمية الاعتراف بمشاعر الطفل من دون التقليل منها أو تضخيمها، فلا نقول للطفل: "لا يوجد ما يخيف، ومعك حق أن تخاف جداُ. بل أفهم أنك خائف، ونحن هنا معك". كما تمكن طمأنته بإخباره أن "العائلة واجهت ظروفاً صعبة سابقاً وتجاوزتها، وأن الأمور ستتحسن".
