"العودة إلى الديار" للهندي نيراج غايوان: تفكيك سينمائي لبيئة مريضة
عربي
منذ يومين
مشاركة
  الحكاية مبنية على قصة حقيقية، وردت في مقال رأي للصحافي والكاتب الهندي بشارات بيّر، منشور في "نيويورك تايمز" (31 يوليو/تموز 2020)، إبّان فترة انتشار كورونا. في مراحل من كتابة السيناريو وإتمام توليفه، كان لمارتن سكورسيزي دور. كل هذه المعطيات، على أهميتها الوظيفية، لا تكفي لإنجاز فيلم سينمائي مهم، من دون رؤية إخراجية عميقة لمضامين القصة الأصلية. يدرك هذا جيداً الهندي نيراج غايوان، ويأخذ به حين يُعيد كتابته بنص سينمائي يُفكّك مضامين القصة، وعلى طاولة البحث والتحليل يُشرّحها، وفقاً لعلائقها الداخلية، وصلات أبطالها بالمجتمع الهندي، وبإفرازات نظامه السياسي الحديث. "العودة إلى الديار" (2025) يُضمِّن الكثير منها، لكنه يُبقي بطليه، محمد شعيب علي (إيشان خاطر) وتشِندن كومار (فيشال جيثوا) في مركز بحثه، ليقارب مصيرهما المؤلم بعنوان المقال الصحافي: "صداقة، جائحة، وموت على الطريق". مسار حكاية الشابين يفرز حيفاً حاصلاً في البلد لطبقاته الفقيرة. فقر مقرون بضعف وتمييز عرقي وطائفي مؤلم، يدفع الشابين إلى التخلص منها بالحصول على وظيفة حكومية، تمنحهما قوة وسلطة. البحث عن السلطة يأتي عبر رغبة الصديقين الحميمين في التقدّم إلى كلية الشرطة. أن تصبح شرطياً، يعني أن تصبح في موقع المُتسلِّط والحاكم، لا المَحكوم الذليل. تصنيفهما من طبقة الـ"داليت"، أو كما يُسمَّون "المنبوذين"، يحول دون تحقيق ذلك الحلم. بسبب هندوسيته، يُخفي تشِندن الاسم الحقيقي لعائلته، خوفاً من الحكم عليه مسبقاً بالانتماء إلى طبقة، لا أحد يريد التقرّب منها، أو الاحتكاك بها. الديانة المسلمة لمحمد كافية لعزله في مجتمع يُغذّي السياسيون اليمينيون فكرة "خيانتهم" للأمة الهندوسية، وفي الوقت نفسه يُبغضون هندوسياً منهم لفقره. نفاق وتمييز، سياسي واجتماعي، لا ينفكان يعذبان الشابين، ويدفعانهما إلى التشبث بفكرة اجتياز اختبارات التقدّم إلى الشرطة. يُرفض طلب المسلم، ويُقبل الهندوسي في الاختبار النظري. يعرفان هذا بعد مرور أكثر من عام كامل على التقديم، فيه يذهب النص السينمائي إلى مناطق تُجلي تمزقاً مخيفاً في النسيج الاجتماعي، يلغي كل ادعاء بالوحدة. حتى الهندوسية، التي يروّجها السياسيون في الهند اليوم، تبدو في حالة الشابين شعاراً ترويجياً، أكثر منها توجّهاً إيديولوجياً حقيقياً.     في قريتهما، مشهد الصداقة أكثر حميمية. عائلتاهما تتعاملان كأسرة واحدة، يجمعها الفقر والمرض والطيبة. البطالة تُجبر شعيب على العمل في شركة بيع أجهزة تنقية المياه المنزلية. لحبه طالبة جامعية طموحة، يقرّر كومار الدراسة معها. مفترق طرقهما تتجاذبه دوافع ورغبات صعبة التحقيق. التمييز الذي يتعرض له المسلم شعيب يكشف كراهية مستحكمة لطائفته، ومثله فقر كومار يضعه في تعارض مع حبيبته، ومشروعها الحياتي الطموح. تريد كما والدها الفقير المتعلم أن تجلس إلى طاولة الحكام. "للجلوس إلى الطاولة، عليك جَلْب كرسيك بنفسك"، عبارة تردّدها سُدْها بْهارتي (جانْهْفي كابور)، وتُحرّض حبيبها الفقير على جلب كرسيه بنفسه، عبر حصوله على شهادة جامعية. لتشكيل المشهد العام، الذي يتحرك وسطه الشابان، يجزّئ النص حكايتهما إلى ما يشبه قصصاً قصيرة. كل قصة لا تخلو من مظاهر الكراهية الدينية والطبقية. مظاهر تُغذَّى بمواقف وسلوكيات، تُحيل حياة الوالدين في بيئات فقيرة إلى لعنة. لسخرية الموظفين منه ومن دينه، يقرّر شعيب ترك عمله، والعودة إلى قريته. وعلى أمل تجاوزه اختبارات القبول الجسدية، يترك كومار الجامعة وحبيبته. في منتصف مساره، ينتقل الفيلم إلى مرحلة ثانية، لها صلة بالحاصل في الهند خلال فترة انتشار كورونا. في هذا الفصل، تُقارِب عبارة "الفيلم منقول عن قصة حقيقية" الحس الوثائقي، الكامن في النص الروائي المُتَخيّل. أملاً في إتمام بناء بيت من الطابوق، يوقف تسرب مياه الأمطار إليه من أكوام القش، يقبل تشِندن العمل في مصنع نسيج، يبعد عن قريته أكثر من ألف كيلومتر. إليه، ينضم صديقه. في المرحلتَين (قبل كورونا وبعدها)، يعزّز صانعه اشتغالاته الجمالية الرائعة، كلاسيكية الطابع. يولي التصوير والإنارة عناية خاصة. بهما، يقارب المناخات النفسية لأبطاله، وللجموع القريبة منهم. لحظات الإيقاف الإلزامي للمصنع، وبطالة العمال من دون ضمانات ولا حماية نقابية، تزيد عند المُشاهد الإحساس بعزلتهم وبؤس عيشهم. الصور المأخوذة من علِ لأمكنتهم، والإنارة الخافتة، بُنيّة اللون، تنقل مخاوفهم من اقتراب المرض منهم، وتوغله بينهم. الحاجة إلى الهروب من المكان الموبوء تدفعهم إلى التفكير بالعودة إلى ديارهم. في طريق العودة، يمرض كومار، ويصبح الحصول على مساعدة في زمن الخوف والانقسامات شبه مستحيل. يحمله شعيب على كتفه، آملاً بإنقاذه. في الطريق يموت، ومعه يموت حلم الخلاص من بؤس مفروض. مع قتامة أجواء فيلمه، يحرص نيراج غايوان على إبقاء أمل بسيط بنهاية تليق بفهمه للسينما، وقدرتها على نقل الواقع، من دون السقوط في فجاجته. ولأنه منجز يُراد له أن يكون متميزاً وجميلاً، يختار نهاية غامضة له: يأتي شرطي إلى القرية ليُسِلم كامور كتاب قبوله طالباً في كلية الشرطة. يسأل شعيب: هل أنت كومار؟ يجيب بنعم. مشهد الانتحال يحمل في طياته سؤالاً إشكالياً، متأتياً من سلوك متجبّر، وأخلاقيات خرقاء، تُجبر الفقراء والضعفاء على البحث عن خلاص وفكاك منها، حتى لو جاء زوراً، بانتحال هوية شخص ميت.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية