الحرب في المنطقة تدفع العراقيين إلى تخزين الغذاء وشراء الفوانيس
عربي
منذ يوم
مشاركة
في أسواق العراق، عادت أدوات الإنارة والطهي التي ظن كثير من العراقيين أنها جزء من ذاكرة الماضي، لتملأ واجهات المحال وتتصدر قوائم المشتريات لدى العديد من العائلات. وفي ظل ارتفاع المخاوف الأمنية على وقع الحرب في المنطقة، يقبل المواطنون أيضاً على تخزين المواد الغذائية استعداداً لأي تطورات محتملة. الإقبال اللافت على شراء الفوانيس و"اللاله" -أداة إنارة زجاجية- والمواقد التقليدية "الجولة"، لم يعد مشهداً مألوفاً في السنوات الأخيرة، لكنه يعكس القلق المتنامي في الحياة اليومية وسط تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة. فمنذ الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وما تبعها من ضربات إيرانية استهدفت مواقع داخل العراق، وردود أميركية طاولت مواقع لمليشيات موالية لإيران، بات العراقيون يتابعون التطورات بقلق متزايد. أعاد هذا التصعيد إلى الأذهان تجارب سابقة عاشتها البلاد خلال الحروب والأزمات، حين كانت الكهرباء والوقود وحتى المواد الغذائية عرضة للانقطاع أو الندرة. وتزامن ذلك مع انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي شهدتها معظم مدن العراق خلال الأيام الأخيرة، قالت وزارة الكهرباء إنها نتيجة خلل فني. غير أن تكرار انقطاعات الكهرباء في ظل أجواء التوتر الإقليمي دفع العديد من المواطنين إلى البحث عن بدائل تقليدية للإنارة والطهي تحسباً لأي طارئ قد يؤثر في الخدمات الأساسية، وفق ما قاله فؤاد كاظم، صاحب متجر لبيع المواد الغذائية والمنزلية. وأضاف كاظم في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن انتشار الشائعات بين المواطنين عن احتمال استمرار انقطاع الكهرباء وتأثر إمدادات غاز الطبخ دفع العديد من العائلات العراقية إلى تخزين المواد الغذائية وشراء وقود "النفط الأبيض"، المستخدم في مصابيح النفط، مثل الفوانيس و"اللالات" و"الجولات". وأشار إلى أن هذا الإقبال المفاجئ أدى إلى نفاد كميات من تلك الأدوات لدى عدد من الباعة، ما اضطرني وجميع أصحاب المتاجر إلى جلب شحنات إضافية لمواكبة الطلب المتزايد. وحول سبب شرائه أدوات الإنارة التقليدية، قال أمجد حافظ (51 عاماً) لـ"العربي الجديد" إنه لم يتوقع أن يجد نفسه مضطراً للعودة إلى شراء أدوات كان يستخدمها منذ سنوات طويلة. وأضاف: "عندما بدأت انقطاعات الكهرباء تتكرر ولساعات طويلة، ومع الأخبار المتواترة عن الحرب في المنطقة، شعرت بأنه من الأفضل أن أستعد"، وتابع قائلاً: "اشتريت جولة بسعر 30 ألف دينار، وثلاثة فوانيس بسعر 15 ألف دينار للواحد، لكن بعد يومين فقط تفاجأت بارتفاع الأسعار بشكل واضح". ولا يخفي الرجل قلقه من احتمال استمرار الأوضاع المتوترة، قائلاً: "عشت سنوات الحصار والحروب، وعندما يشعر العراقي بأن الأمور قد تتجه إلى الأسوأ، يكون أول ما يفكر به هو تأمين البيت، لذلك اشتريت أيضاً بعض النفط الأبيض، وخزّنت مواد غذائية جافة، مثل الأرز والبقوليات والسكر والزيت. لا أحد يعلم ما قد يحدث". يعكس حديث حافظ سلوكاً بدأ يتكرر بين العديد من العائلات العراقية، حيث لم يقتصر الاستعداد على شراء أدوات الإنارة والطهي فحسب، بل امتد أيضاً إلى إعادة ترتيب مخازن المنازل وتخزين المواد الغذائية الأساسية تحسباً لأي اضطرابات محتملة. هذا ما تكشف عنه علياء حسين (47 عاماً) لـ"العربي الجديد"، مبينة أنها بدأت منذ أيام التحضير لأسوأ الاحتمالات، رغم أنها تأمل ألا تصل الأمور إلى ذلك. وتوضح: "في البداية لم أصدق أن الناس عادت لشراء الفوانيس، لكن بعد أن شهدت انقطاعات الكهرباء المتكررة ومع الأخبار اليومية عن الضربات والهجمات، قررت أن أستعد". وتضيف: "خزنت الأرز والطحين والزيت والسكر، واشتريت خضراوات مجففة لكونها تدوم لفترة طويلة. هذه الأمور كانت الأمهات يقمن بها في السابق، ووجدت نفسي أفعل الشيء نفسه". وتشير إلى أنها أعادت استخدام أدوات قديمة كانت مخزنة في المنزل منذ سنوات، "وجدت لالات قديمة وجولة كنا نحتفظ بها منذ زمن طويل ولم نستخدمها. جهزتها لتعمل من جديد. لم أتوقع أننا سنحتاجها مرة أخرى، لكن الظروف تجعل الإنسان يفكر بكل الاحتمالات". شهادة علياء تعكس حالة الاستعداد الهادئ في العديد من البيوت العراقية، حيث تحاول العائلات تأمين احتياجاتها الأساسية بطرق مختلفة، بعضها تقليدي يعود إلى عقود مضت. ويبدو أن تأثير الأخبار والإشاعات كبير على نفوس الأسر، وفق ما تقول سارة جميل (35 عاماً، موظفة)، لـ"العربي الجديد": "النقاش داخل منزلنا خلال الأيام الماضية كان يدور حول كيفية الاستعداد لأي طارئ". تضيف: "كنا نتحدث عن الأخبار التي نسمعها واحتمال تأثر الخدمات إذا استمر التصعيد في المنطقة، لذلك قررنا اتخاذ بعض الاحتياطات، فخزنّا كمية من النفط الأبيض والمواد الغذائية التي يمكن أن تبقى لفترة طويلة، فهذه الخطوات تمنحنا شعوراً بالطمأنينة". ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بحسب سارة، التي أوضحت: "حتى إننا وضعنا تنوراً طينياً على سطح المنزل يعمل بالحطب". من جهته، يقول الباحث الاجتماعي مهند الطائي لـ"العربي الجديد"، إن هذه الإجراءات الاحترازية التي تتخذها الكثير من العائلات تمثل انعكاساً لذاكرة طويلة من الأزمات التي عاشها العراقيون خلال العقود الماضية، حيث كان تخزين الأطعمة واعتماد أدوات الإنارة والطبخ التقليدية جزءاً من حياتهم اليومية. ويضيف: "في بلد اعتاد سكانه التكيف مع الأزمات، يكفي أن تلوح في الأفق بوادر توتر حتى تستيقظ ذاكرة طويلة من التجارب الصعبة، فتعود أدوات وأساليب الماضي لتجد مكانها مجدداً في حياة العراقيين الحالية".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية